حرية
كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، عن أسباب قالت إنها تقف وراء قرار الولايات المتحدة وقف التمويل المخصص لقوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أن القرار يرتبط بصورة أساسية بعدم تنفيذ أربيل تعهداتها بشأن توحيد القوات الكردية ضمن مؤسسة عسكرية واحدة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة داخل الإدارة الأمريكية أن واشنطن اتخذت قرار وقف التمويل نتيجة «فشل حكومة إقليم كردستان في دمج القوات المتفرقة للبيشمركة ضمن جهاز إداري وعسكري موحد»، رغم التفاهمات التي جرى التوصل إليها بهذا الشأن.
وبحسب المصادر، فإن اتفاق عام 2016 الذي نظم جانباً من الدعم الأمريكي لقوات البيشمركة تضمن شروطاً تتعلق بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية الكردية، وإنهاء ارتباط تشكيلاتها بالأحزاب السياسية الرئيسية في الإقليم، وتوحيدها ضمن مؤسسة عسكرية رسمية تخضع لقيادة ومرجعية واحدة.
إلا أن عملية الدمج لم تكتمل بصورة نهائية، وبقيت تشكيلات من البيشمركة مرتبطة عملياً بالهياكل الحزبية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين أربيل وواشنطن.
في المقابل، أكد مسؤولون أكراد أن عدم تجديد اتفاق عام 2016 لا يعني نهاية التعاون العسكري والأمني بين قوات البيشمركة والقوات الأمريكية، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية والأمنية للقرار.
التمويل يتحول إلى أداة ضغط
إذا صحت الأسباب التي أوردتها الصحيفة، فإن القرار الأمريكي لا يبدو مجرد إجراء مالي، بل يمثل رسالة سياسية وأمنية مباشرة إلى حكومة الإقليم مفادها أن استمرار الدعم العسكري يرتبط بإصلاح المؤسسة الأمنية وتوحيدها.
فالولايات المتحدة التي دعمت البيشمركة خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش، باتت تبدو أكثر تشدداً تجاه استمرار وجود تشكيلات عسكرية ذات ارتباطات حزبية.
وتريد واشنطن، وفق هذا الاتجاه، مؤسسة عسكرية موحدة تستطيع التعامل معها باعتبارها جهة رسمية واحدة، بدلاً من التعامل مع قوات موزعة بين مراكز نفوذ سياسية مختلفة.
المشكلة ليست في البيشمركة وحدها
جوهر الأزمة يتجاوز مسألة التمويل أو التنظيم العسكري، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين الحزب والدولة داخل الإقليم.
فبقاء قوات مسلحة مرتبطة عملياً بقوى سياسية مختلفة يضعف مفهوم المؤسسة العسكرية الموحدة، ويجعل القرار الأمني عرضة لتوازنات سياسية وحزبية.
ومن هنا يمكن فهم الضغوط الأمريكية باعتبارها محاولة لدفع أربيل نحو إعادة تعريف المؤسسة الأمنية بعيداً عن الولاءات الحزبية.
وهذه القضية تكتسب أهمية أكبر في ظل تصاعد النقاش داخل العراق حول ضرورة حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية وإنهاء أي ازدواجية في القرار الأمني.
واشنطن لا تنسحب.. بل تعيد رسم الشراكة
وقف التمويل لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت التخلي عن البيشمركة أو مغادرة المشهد الأمني في إقليم كردستان، بل قد يكون محاولة لإعادة صياغة قواعد العلاقة.
فالرسالة الأمريكية تبدو أقرب إلى: الدعم يمكن أن يستمر، لكن المؤسسة التي تتلقى هذا الدعم يجب أن تكون مؤسسة دولة، لا مؤسسة أحزاب.
وهذا يضع حكومة الإقليم أمام اختبار سياسي حساس، لأن توحيد البيشمركة لا يتعلق بإعادة توزيع الوحدات العسكرية فقط، وإنما بإعادة توزيع النفوذ السياسي والأمني بين القوى الكردية.
كما أن نجاح عملية الدمج سيحتاج إلى توافق سياسي واسع، خصوصاً أن ملف البيشمركة ارتبط لعقود بالتوازن بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
هل تستخدم واشنطن المال لتغيير قواعد اللعبة؟
المؤشر الأبرز في هذا التطور هو أن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تنتقل من سياسة دعم البيشمركة بصيغتها القائمة إلى سياسة أكثر ارتباطاً بالإصلاح المؤسسي.
وهذا يعني أن التمويل لم يعد مجرد مساعدة عسكرية، بل تحول إلى وسيلة ضغط لتحقيق هدف سياسي وأمني أكبر.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستستمر الولايات المتحدة في تمويل البيشمركة؟
بل أصبح: هل ستقبل واشنطن مستقبلاً بتمويل قوات لا تزال تحمل ولاءات حزبية، أم ستربط كل دعم جديد بتوحيدها تحت قيادة رسمية واحدة؟
إذا ثبت الاتجاه الثاني، فإن أربيل ستكون أمام استحقاق صعب، لأن توحيد البيشمركة قد يكون هذه المرة شرطاً لإعادة بناء العلاقة الأمنية مع واشنطن، وليس مجرد إصلاح مؤجل يمكن ترحيله من عام إلى آخر.
وفي النهاية، فإن القضية تتجاوز البيشمركة والولايات المتحدة، لتطرح سؤالاً أكبر حول شكل الدولة العراقية نفسها: هل يكون السلاح تابعاً لمؤسسة الدولة، أم يبقى جزء منه مرتبطاً بالقوى السياسية التي تملك النفوذ؟
وقد يكون قرار واشنطن رسالة مبكرة بأن مرحلة التساهل مع ازدواجية القرار العسكري تقترب من نهايتها.







