حرية
لا يبدو إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، وفق القراءة الأميركية، نهاية للحضور الأميركي في البلاد بقدر ما يمثل انتقالاً إلى صيغة مختلفة من النفوذ والشراكة. فبينما تستعد القوات الأجنبية لاستكمال الانسحاب وفق الجداول الزمنية المتفق عليها، تبرز في المقابل أسئلة أكثر تعقيداً بشأن شكل العلاقة الأمنية الجديدة، وحدود الدور الأميركي، ومستقبل الفصائل المسلحة داخل العراق.
وفي هذا السياق، أكدت أستاذة العلوم السياسية المساعدة في جامعة بوسطن، مارسين الشمري، أن الولايات المتحدة جادة في إنهاء مهمتها العسكرية في العراق والانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن خروج نحو 2500 جندي لا يعني تراجع النفوذ العسكري الأميركي في الشرق الأوسط أو انتهاء القدرة الأميركية على التحرك في المنطقة.
الانسحاب.. تغيير في المهمة لا نهاية للحضور
وقالت الشمري، في تصريح لها، إن الجدول الزمني لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» جاء نتيجة اتفاقات سابقة، معتبرة أن التزام واشنطن بالمواعيد المحددة يعكس جدية في إغلاق ملف المهمة العسكرية بصيغتها الحالية.
لكنها ترى أن هذا الانسحاب لا ينبغي تفسيره باعتباره تراجعاً أميركياً شاملاً، لافتة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك انتشاراً عسكرياً واسعاً في المنطقة، وأن سحب قواتها من العراق لن يلغي حضورها وقدرتها على التحرك العسكري عند الضرورة.
وهنا تبرز طبيعة المرحلة الجديدة؛ فالمعادلة لا تبدو انتقالاً من «وجود» إلى «غياب»، وإنما من مهمة عسكرية متعددة الأطراف إلى علاقة أمنية ثنائية أكثر ارتباطاً بمصالح البلدين وحسابات الأمن الإقليمي.
الخطوط الحمراء الأميركية لم تتغير
وفي ما يتعلق بإمكانية تنفيذ ضربات أميركية داخل الأراضي العراقية ضد الفصائل المسلحة، أكدت الشمري أن الخطوط الحمراء الأميركية لم تتغير.
وأشارت إلى أن واشنطن أثبتت في مناسبات متعددة استعدادها للرد عسكرياً داخل العراق عندما تتعرض قواتها أو مصالحها للاستهداف من قبل الفصائل المسلحة.
وتحمل هذه النقطة دلالة مهمة بالنسبة للمرحلة المقبلة؛ إذ إن انتقال العلاقة إلى شراكة أمنية لا يعني بالضرورة تخلي الولايات المتحدة عن حقها في حماية قواتها ومصالحها، ما يجعل ملف الهجمات على المصالح الأميركية واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين بغداد وواشنطن.
الفصائل المسلحة.. العقدة الأصعب في الشراكة الجديدة
أما الملف الأكثر تعقيداً فيتمثل في مستقبل الفصائل المسلحة ونفوذها داخل الدولة.
وانتقدت الشمري المقاربة الأميركية الحالية تجاه هذا الملف، معتبرة أن واشنطن تكتفي بالضغط على الحكومة العراقية لمعالجة وضع هذه الجماعات أو دمجها في المؤسسات الرسمية، من دون معالجة الأسباب الهيكلية التي أدت إلى نشوء هذه التشكيلات واستمرارها.
وبحسب رؤيتها، فإن التعامل مع النتائج دون معالجة الأسباب قد يجعل المشكلة قابلة لإعادة إنتاج نفسها، خصوصاً في ظل استمرار عوامل سياسية وأمنية وإقليمية ساهمت خلال السنوات الماضية في ترسيخ وجود قوى مسلحة خارج الإطار التقليدي للمؤسسة الأمنية.
من ضعف الدولة إلى صعود السلاح
وأرجعت الشمري استمرار التشكيلات المسلحة غير الرسمية إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، من بينها ضعف المؤسسة الأمنية، والانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية، والتهديدات الإقليمية.
وترى أن هذه الثغرات أسهمت في خلق بيئة سمحت بظهور قوى مسلحة كرد فعل على التهديدات الأمنية، خصوصاً بعد سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا عام 2014.
لكن المفارقة، وفق هذه القراءة، تكمن في أن القوى التي نشأت في سياق مواجهة تهديدات استثنائية تحولت لاحقاً إلى جزء من معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً، ما جعل مسألة تنظيم السلاح وتحديد مرجعيته واحدة من أبرز تحديات بناء الدولة العراقية الحديثة.
انتقاد للدور الأميركي منذ 2003
وذهبت الشمري إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة لم يبدوا، منذ عام 2003، رغبة حقيقية في بناء قوات عسكرية عراقية قوية قادرة على سد الفراغات الأمنية بصورة مستقلة.
وترى أن استمرار نقاط الضعف في المؤسسة الأمنية سيبقي الباب مفتوحاً أمام ظهور قوى مسلحة غير رسمية، في معادلة تجعل الدولة أمام تحدٍ مستمر يتعلق باحتكار القوة وفرض القانون.
وهذه القراءة تضع المسؤولية في اتجاهين؛ فمن جهة، تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها جزءاً من مسؤولية المسار الذي تشكل بعد عام 2003، ومن جهة أخرى، يبقى على الدولة العراقية بناء مؤسسات أمنية قوية وقادرة على حماية البلاد وفرض سلطتها على كامل أراضيها.
بغداد وواشنطن.. شراكة تحت الاختبار
وكان متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قد أكد في وقت سابق، أن العراق بدأ مساراً جديداً بقيادة رئيس الوزراء علي الزيدي، بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتجه فيه العلاقة العراقية الأميركية إلى إعادة تعريف طبيعة التعاون الأمني، بعد سنوات ارتبط فيها الوجود الأميركي بصورة أساسية بمهمة محاربة تنظيم «داعش».
وكان العراق والولايات المتحدة قد اتفقا في أيلول 2024 على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد التنظيم في العراق، ضمن خطة مرحلية تهدف إلى الانتقال من إطار التحالف إلى شراكة أمنية ثنائية.
وانتهت المرحلة الأولى من المهمة في أيلول 2025، فيما بقيت قوات في إقليم كوردستان لدعم العمليات ضد التنظيم في سوريا، على أن تستكمل المرحلة الأخيرة بحلول نهاية أيلول 2026.
انتهاء مهمة «داعش».. بداية سؤال أكبر
تشكّل التحالف الدولي عام 2014 لمساعدة القوات العراقية في مواجهة تنظيم «داعش»، الذي سيطر آنذاك على مساحات واسعة من العراق وسوريا. ومع تغير طبيعة التهديد، تحولت مهمة قوات التحالف بصورة أساسية إلى التدريب والمشورة والدعم الاستخباري، فيما تؤكد بغداد أن قواتها باتت قادرة على تولي مسؤولية الأمن وملاحقة خلايا التنظيم.
لكن نهاية مهمة التحالف لا تعني انتهاء الملفات الأمنية التي رافقت مرحلة وجوده.
فالعراق يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: هل تستطيع الدولة بناء شراكة أمنية متوازنة مع واشنطن من دون أن تتحول هذه الشراكة إلى غطاء لاستمرار النفوذ العسكري الخارجي، وفي الوقت ذاته ضمان عدم عودة البلاد إلى فراغ أمني يسمح بتمدد الجماعات المسلحة؟
الإجابة لن تتحدد فقط بعدد الجنود الأميركيين الذين سيغادرون العراق، وإنما بطبيعة الاتفاقات التي ستنظم المرحلة المقبلة، وقدرة بغداد على بناء مؤسسات أمنية قوية، وحسم ملف السلاح خارج إطار الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي للشراكة العراقية الأميركية الجديدة: انسحاب من مهمة عسكرية، أم إعادة صياغة للحضور الأميركي بصورة أكثر ارتباطاً بالأمن والمصالح الاستراتيجية؟







