بقلم أحمد الحمداني
لا تقاس قوة أجهزة المخابرات بعدد البيانات التي تصدرها ولا بكثرة ظهور قياداتها أمام الكاميرات بل بحجم الأخطار التي تمنعها قبل وقوعها وبعدد الأرواح التي تحميها من دون أن يعرف أصحابها أن معركة صامتة دارت من أجلهم.
ومن هذه الحقيقة يمكن قراءة التجربة المتقدمة لجهاز المخابرات الوطني العراقي الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يتحول إلى مؤسسة احترافية تعمل بعقل الدولة وتتحرك بصمت وتضرب بدقة وتضع أمن العراق ومصالحه العليا فوق كل اعتبار.
لقد خاض العراق واحدة من أعقد الحروب الاستخبارية في المنطقة حين واجه تنظيم داعش الذي لم يكن مجرد مجموعة إرهابية تحمل السلاح بل شبكة عابرة للحدود تمتلك مصادر تمويل وخطوط اتصال ووسائل تجنيد وقدرة على التخفي والتحرك بين دول متعددة.
وفي مواجهة هذا الخطر لم يعتمد جهاز المخابرات الوطني على القوة وحدها بل اعتمد على العقل والتحليل والصبر والوصول إلى قلب الشبكات الإرهابية وملاحقة قياداتها ومموليها وخطوط إمدادها داخل العراق وخارجه.
وكانت العملية التي أدت إلى القضاء على القيادي البارز في تنظيم داعش عبد الله مكي مصلح الرفاعي المعروف باسم أبو خديجة دليلاً واضحاً على قدرة العقل الاستخباري العراقي على الوصول إلى أهداف شديدة الخطورة والتعقيد. فهذه العمليات لا تبدأ بالطائرات ولا تنتهي عند الضربة بل تسبقها أشهر من الرصد وجمع المعلومات وتحليل الاتصالات ومتابعة التحركات حتى تأتي لحظة الحسم.
وهنا يظهر الإبداع الحقيقي لجهاز المخابرات الوطني. إنه إبداع لا يُعرض في المعارض ولا يُكتب على الجدران بل يتحول إلى أمن واستقرار وإحباط للمخططات قبل أن تتحول إلى دماء في الشوارع.
ولم يعد عمل الجهاز مقتصراً على ملاحقة الإرهابي الذي يحمل السلاح بل امتد إلى تعقب من يموله ومن ينقل عناصره ومن يوفر له الوثائق والمعلومات والغطاء المالي. فالحرب الحديثة على الإرهاب تبدأ من تجفيف الأموال والاتصالات وتنتهي بسقوط التنظيم كاملاً وليس باعتقال عنصر واحد منه.
كما نجح الجهاز في توسيع مفهوم الأمن الوطني ليشمل مواجهة غسل الأموال والاحتيال الإلكتروني والجريمة المنظمة والتهديدات الاقتصادية التي تستهدف الدولة والمواطن معاً. وكانت الإطاحة بشبكة دولية للاحتيال الإلكتروني وغسل الأموال مثالاً مهماً على هذا التحول النوعي في طبيعة العمل المخابراتي العراقي.
إن المواطن الذي تُسرق بيانات بطاقته المصرفية لا يقل استحقاقه للحماية عن المواطن المهدد بعملية إرهابية. فالأمن لم يعد بوابة عسكرية أو حاجزاً في الشارع بل أصبح حماية للمعلومة والمال والاقتصاد ومؤسسات الدولة وخصوصية المجتمع.
ومن عناصر قوة الجهاز أنه يعمل بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى وبقية المؤسسات الأمنية العراقية ضمن مسار يجمع بين دقة المعلومة وسلامة الإجراءات القانونية. فالدولة القوية ليست التي تمتلك أجهزة أمنية قادرة فقط بل التي تضمن أن تعمل هذه الأجهزة تحت سقف القانون ومن أجل حماية النظام الدستوري وحقوق المواطنين.
كما استطاع جهاز المخابرات الوطني بناء شبكة من العلاقات المهنية مع الأجهزة النظيرة في الدول العربية والإقليمية والدولية وهذه الثقة لم تأتِ من المجاملات السياسية بل من القدرة على إنتاج المعلومة الدقيقة والمشاركة في العمليات المعقدة وتعقب المطلوبين واستعادتهم وتبادل المعلومات التي تحمي العراق والمنطقة والعالم.
لقد أصبح العراق شريكاً استخبارياً مؤثراً بعد أن كان لسنوات طويلة ساحة لتدخل أجهزة ومصالح متعددة. وهذا التحول يمثل إنجازاً سيادياً لا يقل أهمية عن الانتصار العسكري على الإرهاب لأن امتلاك المعلومة يعني امتلاك القدرة على اتخاذ القرار وحماية المصالح الوطنية.
ولأن الأمن لم يعد منفصلاً عن الاقتصاد والسياسة الخارجية فقد ظهر دور الجهاز في الملفات الاستراتيجية المتعلقة بأمن الحدود والعلاقات الإقليمية وحماية المصالح الاقتصادية وتهيئة مسارات التواصل مع الدول المجاورة. فالمخابرات الحديثة لا تنتظر الخطر عند الحدود بل تقرأ التحولات وتستشرف الأزمات وتقدم للدولة صورة واضحة تساعدها على حماية قرارها وسيادتها.
ومع ذلك فإن أهم ما يميز رجال المخابرات أنهم يعملون بعيداً عن الأضواء. قد تمر عملية ناجحة من دون إعلان وقد يبقى اسم الضابط الذي أنقذ عشرات الأرواح مجهولاً وقد لا يعرف العراقيون حجم المخاطر التي أحبطت قبل وصولها إليهم. لكن هذا الغياب عن المشهد هو جزء من عظمة المهمة لأن رجل المخابرات يعمل من أجل النتيجة لا من أجل التصفيق.
إن المرحلة المقبلة تفرض تحديات أكبر مع تطور أساليب الإرهاب والجريمة السيبرانية والتجسس الرقمي وشبكات المخدرات وغسل الأموال. وهذا يتطلب استمرار الاستثمار في الكفاءات العراقية الشابة وفي تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن الإلكتروني واللغات والاختصاصات المالية مع المحافظة على استقلال الجهاز وحياده المهني ومنع زجه في الصراعات السياسية.
إن جهاز المخابرات الوطني العراقي لا يحتاج إلى المديح بقدر ما يحتاج إلى الدعم المؤسسي وحماية استقلاله والمحافظة على كوادره وخبراته المتراكمة. فالدول تُبنى بالمؤسسات ولا يمكن حماية العراق بجهاز يتغير اتجاهه مع تغير المصالح أو يخضع للمحاصصة والانتماءات الضيقة.
لقد أثبت رجال الجهاز أن العراقي قادر على التفوق حين تتوافر له المؤسسة والتدريب والثقة وأن العراق يستطيع أن ينتج المعلومة ويقود العمليات ويحمي حدوده ومصالحه بقدرات وطنية محترفة.
إنهم عيون العراق التي لا تنام وعقله الذي يقرأ الخطر قبل وصوله ودرعه الصامت الذي يعمل بعيداً عن المنصات. وما يحققه جهاز المخابرات الوطني اليوم ليس نجاحاً لمؤسسة أمنية وحدها بل استعادة لهيبة الدولة وترسيخ لسيادتها ورسالة واضحة بأن العراق لم يعد ساحة مفتوحة لأعدائه بل دولة تمتلك عيناً ترى وذاكرة تحفظ ويداً تصل إلى من يهدد أمنها مهما حاول الاختباء.







