حرية
تبحث الحكومة الألمانية رفع الدعم المالي المخصص للعودة الطوعية للسوريين إلى نحو 7 آلاف يورو للفرد، في خطوة تنقل سياسة العودة من الحوافز المحدودة إلى برنامج أكثر قدرة على التأثير في القرار الفردي.
يأتي ذلك، وسط نقاش متزايد في برلين حول كيفية خفض أعداد الأشخاص الذين لم تعد لديهم إمكانية مستقرة للبقاء من دون توسيع اللجوء إلى الترحيل القسري، فيما لم يؤكد وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت حتى الآن القيمة النهائية المتداولة رغم تأكيد نائبين في البوندستاغ وجود الخطة.
وجاءت الخطوة الألمانية بعد ارتفاع ملحوظ في العودة الطوعية خلال العام الجاري، إذ أظهرت بيانات الحكومة أن 4426 سوريًا غادروا ألمانيا طوعًا حتى نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي، بينهم 2736 شخصًا حصلوا على دعم للعودة.
فيما بلغ عدد السوريين المقيمين في البلاد 915840 شخصًا وكان 9856 فقط مسجلين كملزمين بالمغادرة، ما يعني أن النقاش حول الحافز المالي لا يتعلق بمعظم السوريين المقيمين في ألمانيا بل بفئات محددة تختلف أوضاعها القانونية.
عودة طوعية بحوافز أكبر
وتقدم ألمانيا حاليًا مساعدات للعودة من خلال برامج اتحادية وأوروبية تشمل تكاليف السفر ومبالغ أولية لإعادة الاندماج، ويمنح البرنامج الوطني الخاص بسوريا دعمًا يصل إلى 2450 يورو لمقدم الطلب و1230 يورو لكل فرد إضافي من الأسرة إلى جانب مساعدات صحية وعينية، بينما تحدثت التقارير الجديدة عن حافز يصل إلى سبعة آلاف يورو لبعض الراغبين في المغادرة، خصوصًا الأشخاص الذين تراجعت فرص بقائهم طويلًا في ألمانيا.
وتقول الصحفية الألمانية آن كاترين مولر، إن رفع الحافز المالي يعكس محاولة الحكومة إيجاد أداة عملية بين استمرار الإقامة المكلفة إداريًا وبين الترحيل القسري الذي يحتاج إجراءات قانونية وأمنية طويلة.
وأوضحت لـ”إرم نيوز”، أن المال يستطيع إزالة عقبة البداية أمام شخص يفكر أصلًا في العودة، لكنه لا يصنع وحده قرارًا بالعودة لدى من يملك وظيفة مستقرة أو أسرة مندمجة أو مخاوف حقيقية تتعلق بمستقبله في سوريا.
ويمنح هذا الخيار برلين مساحة أوسع لإدارة ملف الهجرة على أساس التفريق بين الفئات القانونية بدل التعامل مع السوريين باعتبارهم مجموعة واحدة، فصاحب الإقامة الدائمة يختلف عن الملزم بالمغادرة.
كما تختلف حالة من بنى حياته المهنية والعائلية في ألمانيا عن شخص لا يملك مسارًا واضحًا للإقامة، وهو ما يجعل الحافز أداة انتقائية أكثر من كونه سياسة لإعادة جماعية.
القرار أكبر من الحافز المالي
ولا يستطيع المبلغ وحده إلغاء أثر الأوضاع في سوريا، إذ سجلت البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد عودة واسعة للاجئين والنازحين، لكن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء حذرت في مراجعتها لعام 2026 من تفسير هذه الأرقام باعتبارها دليلًا على استقرار شامل، مشيرة إلى استمرار مشكلات السكن والخدمات وفرص العمل واختلاف الظروف من منطقة إلى أخرى.
وبيّنت الصحفية مولر، أن نجاح البرنامج سيعتمد على قدرة الحكومة على الجمع بين الحافز المالي والمعلومات الدقيقة عن مناطق العودة وفرص السكن والعمل والخدمات، لأن سبعة آلاف يورو يمكن أن تساعد في تأسيس مشروع صغير أو تغطية نفقات الأشهر الأولى، لكنها تصبح أقل تأثيرًا إذا واجه العائد بيئة اقتصادية لا تسمح بتحويل هذا المبلغ إلى بداية مستقرة.
وهنا تبدو السياسة الألمانية أقرب إلى إدارة تدريجية للعودة منها إلى البحث عن “حل سحري”، فزيادة الدعم تمكن من رفع عدد المغادرين طوعًا وتخفيف الاعتماد على إجراءات الإبعاد الأكثر تعقيدًا، لكنها تحتاج إلى تقييم مستمر لنتائج البرنامج وعدد المستفيدين الذين استقروا فعلًا بعد العودة حتى تصبح كفاءته قابلة للقياس.
توجه أوروبي أوسع
ويتجاوز النقاش ألمانيا مع انتقال الاتحاد الأوروبي إلى نظام أكثر تنسيقًا للعودة، إذ توصل البرلمان والمجلس في شهر حزيران/يونيو الماضي، إلى اتفاق على قواعد مشتركة تشجع المغادرة الطوعية وتوحد قرارات العودة، بالتوازي مع تشديد إجراءات الإبعاد لمن يرفض التنفيذ بعد استنفاد المسارات القانونية، مع إبقاء مبدأ عدم الإعادة القسرية والضمانات الفردية جزءًا من النظام الجديد.
كما اتفقت ألمانيا والنمسا والدنمارك واليونان وهولندا في شهر أيلول/سبتمبر الجاري، على خطوات مشتركة لتطوير أدوات العودة وإبرام ترتيبات مع دول خارج الاتحاد، وهو ما يضع الحافز الألماني المحتمل ضمن تحول أوروبي يبحث عن وسائل تجعل العودة المنظمة أكثر قابلية للتنفيذ.
ويعني ذلك أن قيمة التجربة الألمانية ستقاس بقدرتها على تحويل المال من دفعة رمزية إلى أداة تعيد بناء قرار العودة بصورة منظمة وطوعية، مع الحفاظ على الفروق القانونية والإنسانية بين السوريين، فإذا رفعت الأرقام من دون خلق حالات عودة مستقرة ستبقى كلفتها موضع جدل، أما إذا ساعدت فئات مستعدة أصلًا للمغادرة على بدء حياة قابلة للاستمرار في سوريا فقد تصبح نموذجًا يمكن أن تتبناه دول أوروبية أخرى ضمن سياسات العودة الجديدة.






