حرية
بقلم أحمد الحمداني
لم تكن صورة الآليات العسكرية وهي تمر فوق العلم الأميركي خلال احتفالات (يوم السيادة) مجرد لقطة عابرة يمكن أن تنتهي بانتهاء الاستعراض، بل فتحت باباً واسعاً للسؤال عن المسؤولية وعن مفهوم السيادة الذي نحتفل به.
القائد العام للقوات المسلحة أمر بتشكيل لجنة تحقيقية للوقوف على ملابسات الحادثة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين وهي خطوة مهمة لكن التحقيق يجب ألا يتوقف عند الشخص الذي وضع العلم أو السائق الذي مر فوقه بل يجب أن يصل إلى الجهة التي أعدت الاستعراض وأشرفت عليه ووافقت على تفاصيله.
فمثل هذه الاحتفالات الرسمية لا تقام بصورة عفوية وهناك برنامج وتنظيم وإشراف وتسلسل للمسؤوليات ولذلك يصبح السؤال مشروعاً من وضع العلم الأميركي في مسار الآليات؟ ومن وافق على وجوده؟ ومن كان مسؤولاً عن متابعة تفاصيل الاستعراض قبل انطلاقه؟القضية هنا ليست دفاعاً عن الولايات المتحدة لكن الولايات المتحدة قادت الحرب التي أسقطت نظام صدام حسين عام 2003، وبعد ذلك دخل العراق مرحلة سياسية مختلفة تماماً بفضل التدخل الامريكي و تشكلت خلالها مؤسسات النظام السياسي الجديد وأجريت الانتخابات وكتب الدستور الذي حدد شكل الدولة العراقية ونظامها السياسي.
ولا يمكن قراءة العراق بعد عام 2003 من زاوية النفوذ الأميركي وحده فقد دخلت إيران بقوة إلى المشهد العراقي، مستفيدة من سقوط خصمها التاريخي ومن علاقاتها القديمة مع قوى سياسية عراقية كانت موجودة خارج البلاد ثم توسعت علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية داخل العراق ومع مرور السنوات أصبح العراق واحداً من أهم ميادين التنافس بين واشنطن وطهران وكلما تصاعد الصراع بينهما انعكست تداعياته على الداخل العراقي.
هنا تكمن المشكلة الحقيقية.العراق ليس الولايات المتحدة، وليس إيران، ولا ينبغي أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بينهما و لدينا مصالح مع واشنطن ولدينا مصالح مع طهران ولدينا قبل ذلك كله مصلحة عراقية يجب أن تكون هي الأساس الذي تبنى عليه علاقاتنا الخارجية ومن حق أي عراقي أن يعارض السياسة الأميركية ومن حقه أن يتذكر الاحتلال والحرب وما خلفته من دماء ودمار كما من حقه أن ينتقد السياسة الإيرانية ونفوذ طهران وتدخلاتها متى اعتقد أنها تتعارض مع مصالح العراق وكذلك يتذكر حرب القادسية والشهداء والاسرى والخ.
لكن مؤسسات الدولة ليست ساحة للتعبير عن مواقف المحاور (اعزائي) حين تقام فعالية رسمية تحت عنوان (يوم السيادة)، فإن كل صورة تخرج منها يمكن أن تقرأ خارج العراق باعتبارها رسالة صادرة عن الدولة العراقية وهنا تصبح المسؤولية أكبر بكثير من تصرف فردي إذا كان وضع العلم الأميركي تحت عجلات الآليات تصرفاً فردياً فيجب تحديد المسؤول عنه ومحاسبته أما إذا كان جزءاً من برنامج أعد مسبقاً، فالسؤال يصبح أخطر من أعد البرنامج ومن وافق عليه؟والأهم أن نعرف ما إذا كانت هناك محاولة لاستخدام مناسبة عراقية رسمية لإرسال رسالة في الصراع الأميركي الإيراني.
السيادة التي نريد الاحتفال بها لا تعني استبدال نفوذ أجنبي بنفوذ أجنبي آخر ولا تعني الانتقال من محور إلى محور.
السيادة تعني أن يكون القرار عراقياً.وأن يكون السلاح عراقياً.وأن تكون السياسة الخارجية عراقية.وأن تكون مؤسسات الدولة بعيدة عن رسائل المحاور وصراعاتها.
لقد دفع العراق ثمناً كبيراً عندما تحول في مراحل مختلفة إلى مساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ولا مصلحة للعراقيين في إعادة إنتاج هذا الصراع تحت أي عنوان نحن نريد علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة تقوم على المصالح والاحترام المتبادل ونريد علاقة جيدة مع إيران بوصفها دولة جارة تربطنا بها حدود ومصالح كبيرة لكننا لا نريد أن يكون العراق تابعاً لهذه أو تلك ولا يشرفنا ان نكون تابعين نحن اسياد ولهذا فإن التحقيق في حادثة العلم يجب أن يكون أوسع من البحث عن المنفذين في الميدان.
يجب أن نعرف من خطط ومن وافق ومن أشرف ومن سمح لأن السؤال الحقيقي ليس فقط (من دهس العلم الأميركي؟).
السؤال الأهم هو (من وضعه تحت عجلات الآليات أصلاً؟).وفي يوم يحمل اسم السيادة، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً أكبر هل أصبح القرار العراقي بالفعل سيد نفسه أم أننا ما زلنا نسمح لصراع الآخرين بأن يظهر حتى في المناسبات التي نحتفل فيها بسيادتنا؟السيادة ليست علماً ندوسه ولا شعاراً نرفعه السيادة قرار عراقي لا تدوسه أقدام المحاور.







