حرية
في تطور جديد ولافت، يبدو أن واشنطن تحاول الضغط على الحكومة العراقية لإغلاق المنافذ الحدودية مع إيران في إطار سياستها لممارسة الضغط الاقتصادي على إيران المستمرة بتنفيذه منذ عدة أشهر، فإغلاق منفذ الشيب المفاجئ قد يكون نتيجة لهذا الضغط رغم أن الحكومة العراقية عزت ذلك إلى أسباب فنية.
وأغلقت السلطات العراقية، الأربعاء، منفذ الشيب الحدودي مع إيران حتى إشعار آخر، في ظل تقارير عن ضغوط أميركية على بغداد لتقييد حركة التجارة عبر الحدود مع إيران.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر في هيئة المنافذ الحدودية العراقية أن المنفذ، المعروف باسم جذابة من الجانب الإيراني، أُغلق منذ صباح الأربعاء من دون تحديد موعد لإعادة فتحه.
وأكدت وكالة “رويترز”، نقلا عن مصادر عند المنفذ، أن القرار يشمل حركة المسافرين والمركبات والشاحنات التجارية، فيما أفادت صحيفة “ذا ناشيونال” بأن السلطات العراقية تعتزم مراجعة الترتيبات الأمنية في المنفذ، الذي يُعد من المعابر الرئيسية بين البلدين.
ولم يصدر إعلان رسمي عراقي يوضح المدة المتوقعة للإغلاق أو يؤكد أن القرار جاء استجابة لضغوط أميركية.
واشنطن تضغط لتقييد التجارة مع إيران
وبحسب مصدرين سياسيين عراقيين نقلت عنهما وكالة فرانس برس، تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على الحكومة العراقية لإغلاق مزيد من المعابر الحدودية مع إيران، بهدف الحد من حركة التجارة والتبادلات التي قد تساعد طهران على تخفيف أثر العقوبات.
وقال أحد المصدرين إن وزارة الخزانة الأميركية أثارت هذا الملف مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارته نيويورك الشهر الماضي للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأضاف أن التوجه المطروح يقضي بالإبقاء على منفذ واحد في المناطق الخاضعة للحكومة الاتحادية وآخر في إقليم كردستان، مع إغلاق المعابر الأخرى.
وأشار المصدر الثاني إلى أن واشنطن طلبت من الدول المحيطة بإيران اتخاذ إجراءات مماثلة لتقييد حركة التبادل عبر الحدود.
ولم تؤكد وزارة الخزانة الأميركية علنا، في البيانات المتاحة، أنها طلبت إغلاق المعابر العراقية، لكن واشنطن كثفت إجراءاتها المالية ضد إيران وشبكاتها المرتبطة بالعراق.
وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض إجراءات تستهدف شبكات مالية تتهمها بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، بما في ذلك مصرف عراقي قالت إنه يتيح قنوات مالية تخدم طهران وجماعات مسلحة متحالفة معها.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن حملة أميركية تهدف إلى تقليص الموارد المالية الإيرانية والحد من قدرة طهران على تمويل أنشطتها الإقليمية، في ظل الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير/شباط.
معابر حيوية للتجارة
يتشارك العراق وإيران حدودا برية يزيد طولها على 1400 كيلومتر، وتربطهما علاقات اقتصادية وسياسية ودينية وثيقة، وتُستخدم المعابر بين البلدين لنقل السلع والمواد الغذائية ومواد البناء، فضلا عن حركة المسافرين والزوار المتجهين إلى المراقد الشيعية في العراق.
ويُعد معبر الشيب، الواقع في محافظة ميسان جنوب شرقي العراق، أحد المنافذ المهمة لنقل البضائع والمسافرين، وقد يؤدي استمرار إغلاقه إلى إرباك حركة التجارة، ولا سيما في المناطق العراقية التي تعتمد أسواقها على المنتجات الإيرانية.
وذكرت صحيفة “ذا ناشيونال”، الأربعاء، أن التبادل التجاري بين العراق وإيران تجاوز 10 مليارات دولار العام الماضي، محذرة من أن إغلاق معابر رئيسية أخرى، بينها الشلامجة وزرباطية والمنذرية، من شأنه أن يفاقم اضطراب حركة التجارة بين البلدين.
الحكومة العراقية: إغلاق الشيب لأسباب فنية
من جانبه، أكد الناطق باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، اليوم الأربعاء، أن إغلاق منفذ الشيب الحدودي جاء بسبب عدم جاهزيته الفنية والتقنية والتطويرية، وفيما نفى وجود مقرات للحوثيين في العراق، أشار إلى استمرار التنسيق مع تركيا وإيران لحسم ملفات الجماعات المسلحة، مشدداً في الوقت نفسه على أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه لتهديد دول الجوار.
وقال العبودي بحسب الوكالة الرسمية، إن “إيقاف العمل في منفذ الشيب يمثل خطوة باتجاه رفع مستوى الجاهزية التقنية واللوجستية للمنفذ وجاء بسبب عدم جاهزيته الفنية والتقنية والتطويرية”، مبيناً أن “هناك أكثر من منفذ حدودي يشهد انسيابية في التبادل التجاري مع إيران”.
وفيما يتعلق بالأنباء المتداولة بشأن وجود مقرات للحوثيين في العراق، أوضح العبودي أنه “لا توجد أي مقرات مؤشرة بهذا الشأن داخل العراق، وأن الموضوع لا يتطلب أي توجه أو قرار حكومي بشأن أمر غير موجود أساساً”، مشيراً إلى أن “البعض يصر على التمسك بسرديات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأضاف أن “وجود جماعات مسلحة من دول أخرى داخل العراق يتنافى مع المبادئ الدستورية”، مؤكداً أن “العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، ولن يتبنى احتضان أي جماعة مسلحة تشارك في صراع معين”.
وأشار العبودي إلى “وجود تنسيق عالٍ مع تركيا لحسم ملف حزب العمال الكردستاني وإخراج عناصره من العراق، فضلاً عن وجود تنسيق مع إيران من خلال لجنة عليا لحسم ملف وجود المسلحين الأكراد الإيرانيين داخل الأراضي العراقية، وتحديداً في إقليم كردستان”.
وأكد أن “جميع هذه المؤشرات والتوجهات الحكومية تؤكد عدم السماح بوجود عناصر مسلحة تابعة لدول أخرى داخل الأراضي العراقية”، مشدداً على أن “العراق لن يسمح بتهديد دول الجوار انطلاقاً من أراضيه”.
بغداد بين واشنطن وطهران
تحاول بغداد احتواء الضغوط الأميركية على إيران، من دون المساس بمصالحها الاقتصادية وعلاقاتها السياسية مع طهران.
وتصاعدت الضغوط الأميركية على بغداد خلال الأشهر الماضية، خصوصا في ما يتعلق بمراقبة التدفقات المالية ومنع وصول الأموال إلى الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن وزيرها سكوت بيسنت بحث مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين الإصلاحات التي تتوقع واشنطن أن تنفذها الحكومة العراقية، إلى جانب جهود الحد من نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.
لكن إغلاق المعابر الحدودية قد يترتب عليه ثمن اقتصادي داخلي، إذ يمكن أن يعطل تدفق السلع ويزيد الضغوط على الأسواق العراقية، كما قد يثير اعتراض القوى السياسية التي تدافع عن علاقات وثيقة مع طهران، وفي المقابل، ترى واشنطن أن الحد من القنوات المالية والتجارية التي تستخدمها إيران وشبكاتها الإقليمية ضروري لزيادة فاعلية العقوبات.
وكانت السلطات العراقية قد أغلقت مؤقتا ثلاثة معابر مع إيران في سبتمبر/أيلول، قبل أن تعلن استئناف حركة المسافرين والتجارة تدريجيا، عقب مراجعة الإجراءات الأمنية والإدارية.
وجاءت تلك الإجراءات بعد هجوم بطائرات مسيّرة استهدف خط أنابيب النفط السعودي “شرق–غرب”، قالت الرياض وبغداد إن الطائرات انطلقت في الهجوم من الأراضي العراقية. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.







