حرية
أعلن المستشار الأعلى للقائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد رضا نقدي، أن طهران ماضية في تعزيز إنتاجها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكداً أن منظومة التصنيع العسكري الإيرانية لن تتوقف حتى في حال امتداد المواجهة العسكرية لسنوات.
وقال نقدي، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، إن إيران تنتج الصواريخ الباليستية بوتيرة تتجاوز معدل استخدامها، مشيراً إلى أن الصواريخ الجديدة تُسلّم مباشرة إلى القوات المشاركة في القتال، في رسالة تهدف إلى التأكيد على قدرة طهران على تعويض ما تستهلكه ترسانتها خلال العمليات العسكرية.
وأضاف أن إيران تمتلك نحو 950 مدينة صناعية، إلى جانب مئات المجمعات الصناعية الأخرى، معتبراً أن هذه القاعدة الصناعية توفر لطهران قدرة على مواصلة إنتاج الأسلحة رغم ظروف الحرب والضغوط المفروضة عليها.
من الدفاع إلى الهجوم
لكن الجانب الأكثر دلالة في تصريحات نقدي تمثل بإعلانه انتقال العقيدة العسكرية والأمنية الإيرانية من الحالة الدفاعية إلى الحالة الهجومية، في تحول يحمل رسائل تتجاوز مجرد الحديث عن تطوير الترسانة الصاروخية.
وقال إن الحرس الثوري يعمل على رفع مستوى الجاهزية لتنفيذ عمليات ضد الخصوم بصورة «ذكية وانتقائية وفي الوقت المناسب»، مضيفاً أن القوات الإيرانية يجب أن تكون مستعدة، عند الضرورة، لنقل العمليات إلى أراضي الخصوم.
وتشير هذه التصريحات إلى أن طهران لا تنظر إلى المواجهة الأخيرة باعتبارها اختباراً عسكرياً انتهى بانتهاء العمليات، وإنما باعتبارها تجربة دفعت المؤسسة العسكرية إلى إعادة تقييم طريقة إدارة الحرب والرد على التهديدات.
إعادة بناء القيادة العسكرية
ويتزامن الخطاب الجديد مع تغييرات واسعة في بنية القيادة العسكرية الإيرانية، من بينها دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مع مقر خاتم الأنبياء، إلى جانب تعيين قيادات جديدة في مواقع عسكرية وأمنية مهمة داخل هيئة الأركان والحرس الثوري والباسيج.
ويبدو أن إعادة الهيكلة تستهدف تقليص الفجوة بين المستويات القيادية والعملياتية، وتسريع عملية اتخاذ القرار خلال الحروب، خصوصاً بعدما أظهرت المواجهة الأخيرة أهمية سرعة الاستجابة والقدرة على إدارة عمليات متعددة ومتزامنة.
وبذلك، فإن دمج المؤسسات القيادية لا يبدو مجرد تغيير إداري، بل جزءاً من محاولة إعادة تشكيل منظومة القيادة والسيطرة بما يتلاءم مع مرحلة جديدة من العقيدة العسكرية الإيرانية.
رسالة إلى واشنطن.. وخارج إيران أيضاً
وحمل حديث نقدي عن قدرة إيران على استهداف المصالح الأميركية حول العالم رسالة أكثر اتساعاً من نطاق المواجهة المباشرة.
فطهران تريد إظهار أن نفوذها العسكري لا يعتمد حصراً على مخزون الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن امتلاكها أدوات أخرى يمكن استخدامها ضد المصالح الأميركية إذا تطورت المواجهة.
وهذه الرسالة ترفع مستوى الردع الإيراني من مفهوم الدفاع عن الأراضي الإيرانية إلى مفهوم توسيع كلفة الحرب إلى ساحات أخرى، وهو ما قد يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً.
ما بعد الحرب.. إيران تعيد تعريف الردع
وتكشف تصريحات نقدي عن محاولة إيرانية لتحويل دروس المواجهة الأخيرة إلى عقيدة عسكرية جديدة تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: زيادة الإنتاج العسكري، إعادة هيكلة القيادة، والاستعداد لنقل العمليات إلى خارج الحدود.
وبمعنى آخر، لا يبدو أن طهران تريد العودة إلى صيغة الردع التقليدية القائمة على امتصاص الضربة ثم الرد عليها، بل تسعى إلى بناء قدرة تسمح لها بفرض معادلة مختلفة: إذا تعرضت إيران لهجوم، فلن تكون ساحات المواجهة بالضرورة داخل حدودها.
وهنا تكمن أهمية التصريحات الأخيرة؛ فهي لا تتحدث فقط عن صواريخ جديدة أو طائرات مسيّرة إضافية، وإنما عن إعادة تعريف وظيفة القوة العسكرية الإيرانية نفسها، من حماية الداخل إلى امتلاك القدرة على المبادرة والضرب في الوقت والمكان اللذين تختارهما القيادة الإيرانية.







