حرية
اتخذ الجيش الإسرائيلي سلسلة إجراءات أمنية مشددة للحد من المخاطر المرتبطة باستخدام التكنولوجيا الصينية داخل قواعده ووحداته، وسط مخاوف متزايدة من إمكانية تسرب معلومات عملياتية حساسة أو استغلال الأجهزة والمعدات الإلكترونية في أعمال المراقبة وجمع البيانات.
وبحسب ما نقله موقع «واللا» العبري، الخميس، عن مصادر أمنية، قرر الجيش الإسرائيلي تشديد إجراءات أمن المعلومات، ومنع إدخال المركبات الصينية الصنع إلى القواعد العسكرية، في خطوة مشابهة للإجراءات التي يتبعها جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك».
وتأتي هذه الإجراءات في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا التجارية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، جزءاً متزايداً من النشاط العسكري، الأمر الذي دفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة النظر في طريقة إدخال هذه المنتجات إلى المنظومة العسكرية.
مخاوف من التكنولوجيا الصينية
وتتمثل المخاوف الإسرائيلية الأساسية في احتمال أن تحتوي بعض الأجهزة والمركبات والمعدات الإلكترونية على نقاط ضعف يمكن استغلالها للوصول إلى معلومات حساسة.
ولا تقتصر المسألة على الطائرات المسيّرة، وإنما تشمل مجموعة واسعة من المنتجات التي تحتوي على مكونات رقمية أو أنظمة اتصال وجمع بيانات.
ولهذا، يعمل الجيش الإسرائيلي، وفق المصادر، على تطبيق قواعد أكثر صرامة تتعلق بأمن المعلومات عند إدخال الأسلحة والمركبات والتقنيات والمكونات الرقمية إلى الخدمة.
كما حدد الجيش ترددات مخصصة للأجهزة البرية، في محاولة لتنظيم استخدام المعدات الإلكترونية والطائرات المسيّرة وتقليل فرص التداخل أو الاتصالات غير المنضبطة.
نظام للموافقة والاختبار
وبحسب المعلومات المنشورة، تخضع الأنظمة التي يرغب الجيش في استخدامها لعمليات اختبار بهدف التأكد من استيفائها متطلبات ومعايير الأمن المعتمدة.
وفي حال اجتيازها الاختبارات، يمكن إدخالها إلى الخدمة وفق إجراءات الموافقة المعمول بها.
أما الأنظمة التي لا تستوفي الشروط، فيُطلب من الجهات المعنية إجراء التعديلات اللازمة عليها قبل إعادة تقييمها، وفي حال استمرار عدم استيفائها للمعايير فلن يسمح باستخدامها.
وتعكس هذه الآلية محاولة لإنشاء حاجز أمني بين المنتجات التجارية المتاحة في الأسواق وبين المنظومة العسكرية الحساسة، خصوصاً في ظل اعتماد متزايد على التكنولوجيا الرقمية في العمليات الحديثة.
«فوضى عارمة» داخل الجيش
لكن المشكلة، وفق مصادر أمنية نقل عنها «واللا»، لا تتعلق فقط بالقواعد الرسمية، وإنما بكيفية تطبيقها على أرض الواقع.
وحذر خبراء أمن المعلومات في الجيش الإسرائيلي من استمرار الاستخدام الواسع للطائرات المسيّرة الصينية الصنع، رغم المخاوف المتعلقة بإمكانية تسرب معلومات عملياتية.
ونقل الموقع عن مصدر عسكري قوله إن الجيش «بعيد كل البعد عن النظام في هذا الشأن»، واصفاً الوضع بأنه «فوضى عارمة».
وتكشف هذه التصريحات عن فجوة محتملة بين الإجراءات الأمنية التي تضعها القيادة وبين الممارسات الفعلية لبعض الوحدات الميدانية.
كيف دخلت المسيّرات الصينية إلى الجيش؟
تعود جذور المشكلة، بحسب التقرير، إلى بداية الحرب قبل نحو ثلاث سنوات، عندما تدفقت تبرعات كبيرة إلى وحدات الجيش الإسرائيلي لشراء الأسلحة والمعدات.
وشملت هذه التبرعات أعداداً كبيرة من الطائرات المسيّرة بمواصفات وتكوينات مختلفة، بعضها مخصص لجمع المعلومات والمراقبة والاستطلاع، وبعضها للاستخدامات الهجومية.
ومع توسع الحرب، أصبحت الطائرات المسيّرة أداة أساسية بالنسبة إلى الوحدات البرية، خصوصاً في عمليات الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف.
لكن وصول المعدات عبر التبرعات أدى، بحسب التقرير، إلى تفاوت كبير بين الوحدات، إذ حصلت بعض الكتائب على أعداد أكبر من الطائرات والمعدات، بينما لم تحصل وحدات أخرى على الدعم نفسه.
الجيش حاول معالجة عدم التوازن
ولمعالجة هذا التفاوت، بدأت القوات البرية بجمع الطائرات المسيّرة وتوزيعها بصورة أكثر تنظيماً بين الوحدات.
لكن هذه العملية اصطدمت بمشكلة أخرى تتمثل في اختلاف مصادر المعدات وتنوع الشركات المصنعة، ما جعل ضبط المعايير الأمنية والتقنية أكثر تعقيداً.
وفي الوقت نفسه، كان الجيش يسعى إلى تنفيذ عمليات شراء مركزية وفق معايير أكثر صرامة، إلا أن الاعتماد السابق على التبرعات والمعدات التجارية ترك عدداً من المنتجات الصينية داخل الوحدات.
وهنا ظهر التحدي: كيف يمكن الاستفادة من التكنولوجيا المتاحة بسرعة خلال الحرب، من دون السماح بإدخال ثغرات أمنية إلى قلب المنظومة العسكرية؟
السعر يقود إلى التكنولوجيا الصينية
أحد الأسباب الرئيسية وراء انتشار الطائرات المسيّرة الصينية داخل بعض الوحدات الإسرائيلية هو انخفاض تكلفتها مقارنة بالبدائل الإسرائيلية والأميركية والأوروبية.
وبحسب مصدر مطلع على استخدام هذه الطائرات، تفضل بعض الوحدات الطائرات الصينية الأقل كلفة، في حين أن البدائل الغربية أو الإسرائيلية يمكن أن تكون أكثر تكلفة من حيث الشراء والتشغيل والصيانة.
وهذه المفاضلة بين السعر والأمن تضع الجيوش أمام معضلة متزايدة في عصر التكنولوجيا التجارية.
فالمعدات الأرخص قد توفر قدرات متقدمة بسرعة، لكنها قد لا تكون مصممة أساساً للاستخدام العسكري أو وفق متطلبات الأمن السيبراني التي تحتاجها الجيوش.
عين في السماء.. وثغرة محتملة
تكمن الخطورة الأكبر في الطائرات المسيّرة التي تستخدم في مناطق العمليات.
فالمسيّرة لا تؤدي فقط وظيفة الطيران، وإنما قد تكون مزودة بكاميرات وأنظمة تحديد مواقع واتصال وتخزين بيانات، ما يجعلها جهازاً إلكترونياً متكاملاً يعمل بالقرب من مواقع وتحركات عسكرية حساسة.
ولهذا يخشى القادة الإسرائيليون، وفق التقرير، من إمكانية استغلال أي ثغرات إلكترونية أو اتصالية لمراقبة تحركات القوات أو الكشف عن مواقعها وخططها.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تعمل وحدات متعددة في منطقة واحدة وتحاول الحفاظ على سرية المناورات والخطط.
من المنتج التجاري إلى السلاح العسكري
تكشف القضية عن مشكلة أوسع تواجه الجيوش الحديثة: انتشار المنتجات التجارية ذات الاستخدام المزدوج.
فالطائرة المسيّرة التي تُباع للمستهلكين لأغراض التصوير يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى أداة استطلاع ميداني، فيما يمكن للمركبات والأجهزة الذكية أن تحتوي على أنظمة اتصال وتحديد مواقع وجمع بيانات.
وهذا يعني أن الخطر الأمني لم يعد يأتي بالضرورة من معدات عسكرية مصممة خصيصاً للاختراق، وإنما قد ينشأ من منتج تجاري عادي يدخل إلى بيئة عسكرية حساسة من دون فحص كافٍ.
إسرائيل أمام معادلة صعبة
يحاول الجيش الإسرائيلي الآن تشديد الضوابط، لكن الإجراءات الجديدة تواجه واقعاً فرضته سنوات الحرب.
فالوحدات اعتادت استخدام معدات وصلت إليها بسرعة عبر التبرعات والأسواق التجارية، بينما تحتاج المؤسسة العسكرية إلى وقت لاختبار كل نظام والتأكد من سلامته.
ومن هنا فإن حظر المركبات الصينية داخل القواعد وتشديد إجراءات أمن المعلومات يمثلان محاولة لاستعادة السيطرة المركزية على سلسلة التكنولوجيا العسكرية.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في المسيّرات المنتشرة بالفعل بين الوحدات، وكيفية إخضاعها للرقابة أو استبدالها من دون التأثير في القدرات العملياتية.
التكنولوجيا الصينية تتحول إلى قضية أمن قومي
ولا تعني الإجراءات الإسرائيلية بالضرورة أن جميع المنتجات الصينية تشكل خطراً أمنياً، وإنما تعكس ارتفاع مستوى الحساسية تجاه التكنولوجيا التي يمكنها جمع البيانات أو الاتصال بالشبكات أو تحديد المواقع.
وتتجه دول عدة حول العالم إلى التعامل مع بعض التقنيات الصينية باعتبارها قضية أمن قومي، خصوصاً عندما تدخل في قطاعات حساسة مثل الاتصالات والبنية التحتية والنقل والأنظمة العسكرية.
وفي الحالة الإسرائيلية، يبدو أن الحرب سرعت هذا النقاش، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من العمليات اليومية.
تكشف قضية التكنولوجيا الصينية داخل الجيش الإسرائيلي عن مفارقة واضحة: التكنولوجيا الأرخص والأكثر انتشاراً قد تكون في الوقت نفسه الأكثر إغراءً للوحدات العسكرية والأكثر إثارة للقلق الأمني.
فبينما توفر الطائرات المسيّرة التجارية قدرات استطلاع ومراقبة متقدمة بتكلفة منخفضة، تخشى المؤسسة العسكرية من أن تتحول الأجهزة نفسها إلى بوابة لتسريب معلومات حساسة أو كشف مواقع وتحركات القوات.
ولهذا يبدو أن الجيش الإسرائيلي يتجه نحو إعادة فرض السيطرة المركزية على التكنولوجيا المستخدمة في قواعده، عبر منع بعض المنتجات، وتشديد الاختبارات، وتنظيم الترددات، وإخضاع المعدات الرقمية لمعايير أمنية أكثر صرامة.
لكن المشكلة التي أفرزتها سنوات الحرب أكبر من مجرد حظر منتج صيني؛ إنها تكشف عن معركة جديدة داخل الجيوش الحديثة بين سرعة الحصول على التكنولوجيا ورخصها من جهة، وأمنها السيبراني والسيادي من جهة أخرى.






