حرية
لم تعد تداعيات الحروب على أسواق الطاقة تقتصر على أسعار النفط الخام، بل بدأت تمتد بصورة أكثر خطورة إلى سوق المشتقات النفطية، وفي مقدمتها الديزل، الذي يمثل شرياناً أساسياً للنقل والشحن والصناعة والزراعة والتدفئة حول العالم.
وتكشف بيانات حركة التجارة البحرية أن صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا تراجعت خلال يوليو/تموز بنحو 1.3 مليون برميل يومياً مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، أي ما يعادل قرابة 20% من إجمالي تجارة الديزل العالمية المنقولة بحراً.
هذا الانخفاض الكبير لا يعني اختفاء هذه الكميات بصورة حرفية من الأسواق، لكنه يعكس تقلصاً حاداً في الإمدادات المتاحة للتجارة الدولية، نتيجة تداخل عاملين رئيسيين: استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.
الديزل يدخل دائرة الخطر
تكمن خطورة أزمة الديزل في أن تأثيرها يتجاوز قطاع الطاقة نفسه. فالديزل يدخل بصورة مباشرة في تشغيل الشاحنات والسفن والمعدات الثقيلة والآليات الزراعية ومولدات الكهرباء والعديد من المنشآت الصناعية.
وعندما تتراجع الإمدادات، لا ترتفع تكلفة الوقود فقط، بل تنتقل الزيادة تدريجياً إلى تكلفة نقل البضائع وإنتاج السلع والخدمات، ما يخلق موجة تضخمية يمكن أن تصل إلى المستهلك النهائي.
وتظهر الولايات المتحدة نموذجاً واضحاً لهذا التأثير، إذ ارتفع متوسط سعر الديزل خلال الشهر الماضي بنحو 44 سنتاً ليصل إلى 5.32 دولار للغالون، مقارنة بـ3.71 دولار قبل عام، وفق البيانات الواردة عن رابطة السيارات الأميركية.
وبذلك أصبح الديزل الأميركي أغلى بنحو 43% على أساس سنوي، رغم بقائه دون المستوى القياسي المسجل في يونيو/حزيران 2022 عند 5.82 دولار للغالون.
المصافي تواجه الاختبار الأصعب
الأزمة لا ترتبط بالتجارة البحرية وحدها، إذ تتزامن مع تراجع في نشاط المصافي العالمية.
وتشير التحليلات الواردة في التقرير إلى أن المصافي عالجت خلال الشهر الماضي نحو 7.5 مليون برميل يومياً أقل من الخام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن انخفاض كميات الخام الداخلة إلى المصافي يعني تلقائياً انخفاض إنتاج المشتقات، بما فيها الديزل ووقود الطائرات والبنزين.
وبالتالي، فإن الأسواق تواجه ضغطاً مزدوجاً: إمدادات أقل تصل عبر البحر، وقدرة تكريرية أقل على تعويض النقص.
وهذا يجعل أي اضطراب جديد في مناطق الإنتاج أو ممرات الشحن أكثر تأثيراً في الأسعار.
هرمز.. العقدة الأخطر
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وأي اضطراب في حركة السفن عبر المضيق لا يؤثر فقط في صادرات النفط الخام، بل يمتد إلى حركة المشتقات والمنتجات النفطية، ويعيد تشكيل مسارات التجارة العالمية.
ومع تجدد التوترات المرتبطة بإيران، بدأت الأسواق تتعامل مع احتمال استمرار القيود على الملاحة بوصفه خطراً قائماً، وليس مجرد سيناريو مؤقت.
وهنا تكمن المشكلة: حتى لو كان النفط الخام متوافراً، فإن عدم القدرة على نقله أو تكريره أو تصديره في الوقت المناسب يمكن أن يحوله عملياً إلى إمدادات غير متاحة للسوق.
روسيا.. العقوبات تعيد رسم خريطة الديزل
أما روسيا، فقد أصبحت صادراتها من المنتجات النفطية جزءاً من معادلة مختلفة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
العقوبات الغربية وإعادة توجيه التجارة الروسية نحو أسواق جديدة أدتا إلى تغيير مسارات شحن الديزل، وإطالة الرحلات البحرية ورفع تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن تقليص بعض التدفقات التقليدية إلى الأسواق الأوروبية.
ومع تزامن ذلك مع اضطرابات الشرق الأوسط، يصبح من الصعب على الأسواق الاعتماد على مصدر واحد لتعويض النقص.
وهذا يفسر لماذا أصبحت سوق الديزل أكثر حساسية لأي تغير في الإنتاج أو النقل أو التكرير.
أزمة قد تتحول إلى تضخم عالمي
الخطر الأكبر لا يكمن في ارتفاع سعر الديزل وحده، وإنما في سلسلة التأثيرات التي يمكن أن يطلقها.
ارتفاع الديزل يعني ارتفاع كلفة الشاحنات، ثم ارتفاع تكلفة نقل الغذاء والمواد الأولية، ثم زيادة تكلفة البناء والتصنيع والخدمات، وصولاً إلى ارتفاع أسعار المستهلكين.
وهذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة: فإذا ارتفعت أسعار الوقود مجدداً، فقد يعود التضخم للارتفاع في الوقت الذي كانت فيه الاقتصادات تراهن على انخفاضه.
وبالتالي، يمكن أن تتحول أزمة جيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة وممرات التجارة إلى مشكلة نقدية واقتصادية في دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن ساحات الحرب.
العالم أمام سوق وقود أقل مرونة
الرسالة الأهم من هذه التطورات أن سوق الطاقة العالمية أصبحت أقل قدرة على امتصاص الصدمات.
فالحروب أعادت رسم طرق تجارة النفط والديزل، والعقوبات قلصت بعض التدفقات التقليدية، والمصافي تعمل تحت ضغوط متزايدة، بينما باتت الممرات البحرية الاستراتيجية عرضة للتوترات العسكرية.
وبذلك لم تعد معادلة الطاقة العالمية تقوم فقط على سؤال: كم برميلاً ينتج العالم؟
بل أصبحت الأسئلة الأصعب هي: أين يُنتج؟ ومن يستطيع تكريره؟ وكيف يصل إلى الأسواق؟ وهل تستطيع الناقلات عبور الممرات البحرية بأمان؟
ومن هنا، فإن اختفاء أو تراجع ما يعادل خمس تجارة الديزل البحرية خلال فترة قصيرة يمثل إنذاراً مبكراً بأن الحروب لا تهدد النفط الخام فقط، بل تهدد الوقود الذي يحرك الاقتصاد العالمي نفسه.
وإذا استمرت اضطرابات البحر الأسود والشرق الأوسط ومضيق هرمز بالتزامن مع انخفاض نشاط المصافي، فقد تنتقل أزمة الديزل من مشكلة في أسواق الطاقة إلى موجة تضخم عالمية جديدة عنوانها: وقود أقل، ونقل أغلى، وأسعار أعلى.






