حرية
تشهد العاصمة اليمنية صنعاء حالة غير مسبوقة من الغموض والترقب، بعد اختفاء عدد من قيادات جماعة الحوثي من الصفين الأول والثاني عن المشهد العام، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية وتغيير أنماط تحركات المسؤولين الميدانيين، في مؤشر يعكس تصاعد المخاوف داخل الجماعة من تطورات أمنية أو عسكرية قد تفرض واقعاً جديداً على مناطق سيطرتها.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن الجماعة دخلت مرحلة استنفار داخلي، دفعتها إلى إعادة ترتيب تحركات قياداتها وتقليص ظهورهم العلني، وسط تزايد التوترات الإقليمية واحتمال امتداد تداعياتها إلى الساحة اليمنية.
وبحسب مصادر مطلعة، أعادت الجماعة خلال الأيام الماضية تنظيم آليات تنقل عدد من قادتها ومشرفيها، عبر تغيير أماكن الإقامة، وتبديل مسارات ومواعيد الحركة، فضلاً عن استخدام وسائل نقل مدنية غير مألوفة، بينها سيارات أجرة بزجاج معتم، بهدف تقليل فرص تعقبهم أو استهدافهم.
وأوضحت المصادر أن هذه الإجراءات جاءت بناءً على توجيهات مباشرة من زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، تضمنت إعادة هيكلة منظومة الحماية الأمنية للقيادات، وتقليص مشاركتهم في الاجتماعات والفعاليات العامة، مع فرض قيود أكبر على تحركاتهم واتصالاتهم.
وفي صنعاء، تحدث سكان عن غياب لافت لعدد من القيادات التي اعتادت الظهور في المناسبات الرسمية والاجتماعات التنظيمية، مؤكدين أن الإجراءات الأمنية حول مواقع يُعتقد أنها تضم مسؤولين حوثيين شهدت تشديداً ملحوظاً، بالتزامن مع تراجع حركة المواكب الرسمية واختفاء المظاهر الأمنية المعتادة.
كما أفادت مصادر محلية بأن قنوات التواصل مع بعض القيادات أصبحت محدودة أو منقطعة، فيما انتقل عدد منهم إلى مواقع خارج العاصمة وسط تكتم شديد، في خطوة تصفها الجماعة بأنها “إجراءات احترازية”، بينما يراها مراقبون استعداداً لسيناريوهات أكثر تعقيداً.
استنفار يعكس قلقاً داخلياً
يرى متابعون للشأن اليمني أن حجم الإجراءات الأمنية المتخذة يتجاوز التدابير الاعتيادية التي اتبعتها الجماعة خلال جولات التصعيد السابقة، ويعكس وجود تقديرات داخلية بارتفاع مستوى التهديدات المحتملة، سواء المرتبطة بضربات عسكرية دقيقة أو بعمليات استخباراتية تستهدف قياداتها.
ويشير هؤلاء إلى أن الجماعة اعتادت خلال السنوات الماضية الحفاظ على حضور سياسي وإعلامي واضح لقياداتها، حتى في أوقات التصعيد، بينما يكشف الانكفاء الحالي عن مستوى غير مسبوق من الحذر، ما يوحي بأن التقديرات الأمنية داخل الجماعة أصبحت أكثر تشاؤماً.
انتقال نحو معاقل أكثر أمناً
وتفيد المصادر بأن هذه الإجراءات سبقتها عملية نقل تدريجية لعدد من قيادات الصف الأول من صنعاء إلى محافظتي صعدة وعمران، اللتين تمثلان العمق الجغرافي والعسكري للجماعة، في محاولة لتقليل مخاطر تعرضهم للاستهداف.
ويرى محللون أن العودة إلى هذه المعاقل تحمل دلالات تتجاوز الجانب الأمني، إذ تعكس استعداداً لإدارة أي مواجهة محتملة من مناطق أكثر تحصيناً، مع الحفاظ على استمرارية القيادة والسيطرة في حال تعرض العاصمة لأي تطورات مفاجئة.
قراءة في المشهد
رغم غياب أي إعلان رسمي من جماعة الحوثي بشأن هذه التحركات، فإن تزامن اختفاء القيادات، وتشديد الإجراءات الأمنية، وتغيير أنماط التنقل، والانتقال إلى معاقل الجماعة، يشير إلى أن الحوثيين يتعاملون مع المرحلة الحالية بوصفها مرحلة عالية الخطورة.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية واتساع دائرة المواجهات في المنطقة، تبدو الجماعة وكأنها تستعد لمرحلة مختلفة، يكون فيها تقليل تعرض قياداتها للمخاطر أولوية قصوى، تحسباً لأي تصعيد قد يغيّر موازين المشهد اليمني خلال الفترة المقبلة.







