حرية
في سبتمبر/أيلول 2024، اهتزّ لبنان على وقع آلاف الانفجارات المتزامنة، لم تكن ناجمة عن صواريخ أو غارات، بل عن أجهزة اتصال تحوّلت فجأة إلى أدوات قتل، في مشهد أعاد تسليط الضوء على طبيعة الصراع الاستخباراتي في المنطقة.
هذا النوع من العمليات ليس طارئًا في تاريخ إسرائيل، بل يندرج ضمن نهج ممتد منذ ما قبل تأسيسها، يقوم على تنفيذ عمليات اغتيال خارج الحدود، باستخدام أدوات تتطور باستمرار، من العبوات التقليدية إلى التقنيات الحديثة. ويبرز في هذا السياق دور جهاز الموساد، الذي تأسس عام 1949، كأحد أبرز الأذرع المسؤولة عن جمع المعلومات وتنفيذ العمليات السرية.
على مدى عقود، نفّذت إسرائيل سلسلة من العمليات التي استهدفت شخصيات تعتبرها تهديدًا أمنيًا، وغالبًا ما جرت هذه العمليات خارج أي إطار قانوني معلن، وضمن سياسة “الغموض المتعمّد” التي تتبعها، حيث لا تؤكد مسؤوليتها ولا تنفيها. ومن أبرز الأمثلة المبكرة، عملية اختطاف أدولف أيخمان من الأرجنتين عام 1960، والتي شكّلت نموذجًا أوليًا للعمل الاستخباراتي خارج الحدود.
لاحقًا، وبعد عملية ميونيخ 1972، أطلقت إسرائيل حملة اغتيالات عُرفت باسم “غضب الرب”، استهدفت شخصيات فلسطينية في أوروبا، من بينها وائل زعيتر وعلي حسن سلامة، في عمليات اتسمت بالدقة أحيانًا، لكنها لم تخلُ من أخطاء، مثل حادثة ليلهامر التي قُتل فيها شخص بريء عن طريق الخطأ.
مع مرور الوقت، تطورت أساليب الاغتيال، فانتقلت من التفجيرات المباشرة إلى وسائل أكثر تعقيدًا، مثل التسميم البطيء، كما في اغتيال وديع حداد، أو العمليات الدقيقة باستخدام التكنولوجيا، كما في اغتيال عماد مغنية عام 2008، أو العملية التي استهدفت محسن فخري زاده عام 2020 باستخدام سلاح يتم التحكم به عن بُعد.
كما شهدت هذه العمليات إخفاقات بارزة، من بينها محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن عام 1997، والتي تحولت إلى أزمة سياسية أجبرت إسرائيل على التراجع.
بعد أحداث هجوم 7 أكتوبر 2023، دخلت هذه العمليات مرحلة جديدة، حيث تصاعدت وتيرتها واتسع نطاقها، لتشمل اغتيالات بارزة مثل استهداف إسماعيل هنية، إلى جانب عمليات نوعية مثل تفجيرات أجهزة الاتصال، التي استهدفت شبكات كاملة بدل أفراد.
تُظهر هذه العمليات أن الاغتيال لم يعد مجرد أداة أمنية، بل تحوّل إلى سياسة قائمة بحد ذاتها، تُستخدم لتحقيق أهداف تتجاوز القضاء على الأفراد، لتشمل إرسال رسائل ردع وإحداث تأثير نفسي واسع.
غير أن هذا النهج لا يخلو من جدل واسع، إذ ترى منظمات حقوقية أنه يمثل انتهاكًا للقانون الدولي، لكونه يتم خارج أي مسار قضائي، وغالبًا ما يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين. كما أن فعاليته الاستراتيجية تبقى محل نقاش، إذ إن استهداف القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديد، في ظل قدرة التنظيمات على إعادة بناء هياكلها بسرعة.
في المحصلة، يعكس الاغتيال كأداة صراع رؤية أمنية تقوم على الاستباق والردع، لكنه في الوقت ذاته يطرح أسئلة عميقة حول جدواه وحدوده القانونية والأخلاقية، خاصة مع تطور أدواته واتساع نطاق تأثيره.







