مظهر محمد صالح
تشير التحولات المتسارعة في بيئة النظام الدولي إلى أن مفهوم “الانتصار” لم يعد قابلاً للاختزال في البعد العسكري أو في منطق الغلبة التقليدية بين الدول. فالتجارب الحديثة، ولا سيما في البيئات الإقليمية عالية التوتر، تُظهر أن كلفة الصراع لم تعد محصورة في نطاقها الجغرافي، بل باتت تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، والاستقرار المالي الدولي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بين القوة والسلام، ليس بوصفهما نقيضين، بل كعنصرين داخل معادلة استراتيجية واحدة. إذ لم يعد السلام مجرد نتيجة نهائية للصراع، بل أصبح أداة لإنتاج الاستقرار وتعظيم المنافع المشتركة، بما يعزز قدرة الدول على الاندماج في الاقتصاد العالمي وتخفيف كلفة عدم اليقين.
فقد أفرزت الحرب الأميركية–الإيرانية الأخيرة حقيقةً استراتيجية بالغة الأهمية، وهي أن جميع أطراف الشرق الأوسط باتت تدرك أن كلفة الصراع تتجاوز بكثير أي مكاسب عسكرية محتملة. فالحروب قد تُنتج تفوقًا مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تصنع انتصارًا استراتيجيًا إذا ما قورنت بما تخلّفه من استنزاف اقتصادي، واضطراب سياسي، وتعطيل لمسارات التنمية، وتهديد لاستقرار الإقليم وأمنه.
لقد أثبت التاريخ أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بميزان القوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدول على تحويل لحظات الصراع إلى فرص لصناعة السلام. فبعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن التحول الجوهري في أوروبا نتيجة الانتصار العسكري فقط، بل ثمرة بناء نظام جديد قائم على التعاون الاقتصادي، انطلقت معه خطة مارشال لإعادة إعمار القارة، ثم تطورت التجربة إلى مشروع تكاملي واسع انتهى بقيام الاتحاد الأوروبي، الذي حوّل دولًا خاضت حروبًا مدمرة إلى شركاء في التنمية والازدهار.
وقبل ذلك بقرنٍ ونصف تقريبًا، جاء مؤتمر فيينا ليؤسس لنظام توازن دولي جديد في أوروبا، أسهم في الحد من الحروب الكبرى لعقود طويلة، وأثبت أن إعادة تنظيم العلاقات الدولية على أسس سياسية مرنة وتفاهمات مشتركة يمكن أن تحقق استقرارًا يفوق ما تنتجه القوة العسكرية وحدها.
وتجربة حرب الخليج الثالثة 2026 برهنت أن كلفة الحروب الحديثة لم تعد محصورة في الميدان العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي برمته. وفي هذا السياق، يمكن استحضار ما طرحه روبرت غلبين (Robert Gilpin) في كتابه الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية (1987)، ولا سيما في إطار نظرية الاستقرار الهيمني – Hegemonic Stability Theory التي ترى أن النظام الاقتصادي العالمي المفتوح يحتاج إلى قوة مهيمنة تتحمل كلفة الحفاظ عليه لضمان استمراريته.
غير أن التطورات الأخيرة في بيئة الصراع الدولي تشير إلى أن كلفة النزاعات الكبرى باتت مرتفعة إلى درجة تُضعف قابلية استمرار هذا النموذج التقليدي، إذ لم تعد القوة المهيمنة قادرة بسهولة على تحمل الأعباء الاقتصادية والأمنية المتزايدة. وقد أظهرت تجارب الصراع المعاصر أن كلفة الاضطراب الجيوسياسي في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد قد تُفضي إلى خسائر عالمية هائلة خلال فترات قصيرة، ما يعزز فكرة أن الاستقرار لم يعد يُفرض بالقوة فقط، بل يُبنى عبر المصالح المشتركة.
في هذا الإطار، تتبلور تدريجيًا مقاربة بديلة يمكن تسميتها بـ “الاقتصاد السياسي للسلام”، والتي تقوم على أن الاستقرار ليس نتاج هيمنة منفردة، بل نتيجة توازن مصالح متبادلة، يُفضي إلى تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب المشتركة. وهكذا، تتحول معادلة الصراع من منطق (الخسارة الصفرية )إلى منطق (الفوز المشترك ) بوصفه أكثر استدامة وأقل كلفة في النظام الدولي المعاصر.
في جوهر هذه التحولات، يتضح أن السلام لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح بنية اقتصادية تُدار عبر المصالح المتبادلة. وهنا تبرز أهمية الانتقال إلى مفهوم اقتصاد المستقبل، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الموارد الخام، بل بقدرة الدول على الابتكار، والتحول الرقمي، وإدارة سلاسل الإمداد، وتطوير الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والصناعات المعرفية.
إن اقتصاد المستقبل يقوم على الترابط لا الانعزال، وعلى التكامل لا الصراع، وعلى بناء شبكات إنتاج ومعرفة عابرة للحدود. فالدول التي تستثمر في التكنولوجيا والبنية الرقمية والطاقة المتجددة والبحث العلمي هي التي ستحدد موازين القوة في العقود المقبلة.
وفي هذا السياق، يكتسب العراق فرصة استراتيجية مضاعفة إذا ما جرى توظيف موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية ورأس ماله البشري ضمن رؤية تنموية مستقرة. فالعراق ليس دولة نفطية فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى محور طاقوي وصناعي ولوجستي يربط بين آسيا والخليج وشرق المتوسط، بما يعزز اندماجه في سلاسل الإمداد العالمية.
ويأتي إطلاق رؤية العراق 2050 كخطوة مفصلية في هذا المسار، بوصفها إطارًا استراتيجيًا طويل الأمد لإعادة صياغة الاقتصاد الوطني على أسس اقتصاد المستقبل. وإذا ما جرى تفعيل هذه الرؤية بفاعلية، فإنها يمكن أن تنقل العراق من اقتصاد ريعي يعتمد على تصدير النفط الخام إلى اقتصاد متنوع يقوم على الصناعة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والتعليم، والابتكار، والخدمات اللوجستية.
إن تطوير قطاع الطاقة لا ينبغي أن يقتصر على استخراج الموارد، بل يجب أن يمتد إلى الصناعات التكريرية والبتروكيمياوية، بما يعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. كما أن الاستثمار في البنية التحتية والموانئ والمناطق الاقتصادية والتحول الرقمي يمكن أن يضع العراق في موقع متقدم داخل الاقتصاد العالمي الجديد.
إن الانتصار الحقيقي لا يكمن في القدرة على خوض الحروب، بل في القدرة على تجنبها عندما تصبح كلفتها أعلى من أي مكسب متوقع. فالتاريخ لا يحتفي بعدد المعارك، بل بالدول التي استطاعت أن تحوّل الصراع إلى استقرار، والاستقرار إلى ازدهار، والازدهار إلى قوة مستدامة في عالم يتشكل حول المعرفة والتكنولوجيا.
وحين تنتقل دول المنطقة من منطق الخسارة المشتركة إلى منطق الفوز المشترك، فإنها لا تتخلى عن قوتها، بل تعيد تعريفها بما يجعل السلام أعلى أشكال القوة وأكثرها استدامة في اقتصاد المستقبل.
وبهذا ، فإن التحول من منطق “الانتصار على الخصم” إلى منطق “تحقيق المكاسب المتبادلة” يعكس تطورًا في فهم القوة ذاتها، حيث يصبح السلام ليس نتيجة ضعف الصراع، بل تعبيرًا عن إعادة تعريف متقدم لمفهوم القوة في النظام الدولي المعاصر ، او مايمكن تسميته مجازا:
(العالم يتشكل مابعد غلبين في العلاقات الدولية –







