حرية
أكد كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه غورنشا، أن الحرب الإيرانية فرضت خسائر كبيرة على الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن السحب المكثف من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية ساهم في الحد من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، لكنه استنزف جانباً كبيراً من تلك المخزونات، ما يقلص قدرة الدول على مواجهة أزمات مماثلة مستقبلاً.
وأوضح غورنشا، في تصريحات لـ”رويترز”، أن التوترات الجيوسياسية دفعت صندوق النقد الدولي إلى اعتماد سيناريوهات متعددة للنمو الاقتصادي بدلاً من التوقعات التقليدية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن اضطرابات سوق النفط كانت أقل حدة من التقديرات الأولية، إذ لم يتأثر سوى نحو 3% من الإمدادات العالمية، مقارنة بتوقعات سابقة رجحت خروج ما بين 10 و15% من السوق، بفضل الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية وإعادة توزيع الإنتاج.
وعلى صعيد الأسواق، أدى اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار خام برنت لتقترب من 100 دولار للبرميل، فيما تجاوزت بعض العقود الفورية مستوى 120 دولاراً، قبل أن تتراجع الأسعار لاحقاً مع تحسن الأوضاع واستئناف حركة الملاحة البحرية، ليستقر خام برنت دون 74 دولاراً للبرميل.
في المقابل، تكبدت إيران خسائر كبيرة نتيجة تعطل صادراتها النفطية وتشديد العقوبات، إذ قُدرت خسائرها اليومية بأكثر من 120 مليون دولار.
ورغم تراجع أسعار النفط، حذر التقرير من استمرار الضغوط على أسواق الغذاء العالمية، موضحاً أن الحرب تسببت في ارتفاع أسعار الأسمدة بأكثر من 66% خلال ذروة الأزمة، الأمر الذي زاد تكاليف إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة، ورفع كلفة النقل والتوزيع.
وأكدت تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI)، أن أسعار الغذاء تستجيب ببطء لانخفاض أسعار الطاقة، ما يعني أن المستهلكين سيواصلون تحمل آثار التضخم الغذائي لعدة أشهر، وقد تمتد التداعيات حتى عام 2027 في بعض الأسواق.
تكشف تصريحات كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي أن تداعيات الحرب الإيرانية لم تقتصر على ارتفاع أسعار النفط، بل امتدت إلى مختلف مفاصل الاقتصاد العالمي، عبر اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وصولاً إلى زيادة أسعار الغذاء والأسمدة.
ورغم نجاح السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية وزيادة إنتاج بعض المصافي في احتواء الصدمة ومنع حدوث أزمة نفطية عالمية، فإن الخبراء يرون أن العالم استهلك جزءاً كبيراً من أدواته الاحترازية، ما يجعله أكثر عرضة لأي اضطرابات مستقبلية في أسواق الطاقة.
كما يسلط التقرير الضوء على اختلاف سرعة استجابة الأسواق؛ ففي حين تتراجع أسعار النفط سريعاً مع انحسار التوترات، تبقى أسعار الغذاء مرتفعة لفترات أطول نتيجة العقود المسبقة وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل، وهو ما يعني استمرار الضغوط التضخمية على المستهلكين حتى بعد انتهاء الأزمة.
وتعكس هذه التطورات هشاشة الاقتصاد العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية، خاصة تلك التي تمس الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والغاز والأسمدة.







