حرية
أقر مجلس الوزراء العراقي، البرنامج الحكومي للأعوام 2026-2029، واضعاً أمام الحكومة حزمة واسعة من الأولويات التي تمتد من الأمن والسيادة والإصلاح المالي إلى الصحة والتعليم والتحول الرقمي ومكافحة الفساد.
وجاء إقرار البرنامج خلال الجلسة الاعتيادية الرابعة عشرة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، والتي خُصصت لمناقشة البرنامج الحكومي وإقراره، قبل إحالته إلى مجلس النواب وفقاً للنظام الداخلي لمجلس الوزراء.
ويضم البرنامج 139 أولوية موزعة على 14 قطاعاً رئيساً، إلى جانب 13 تشريعاً وضعتها الحكومة ضمن قائمة القوانين ذات الأولوية خلال المرحلة المقبلة، في محاولة لتقديم خارطة عمل تمتد لأربع سنوات.
السيادة وحصر القرار الأمني
ويبرز الملف السيادي والأمني في مقدمة البرنامج، إذ تتجه الحكومة نحو توحيد القرار الأمني وربط الموارد والقدرات العسكرية والأمنية بالمنظومة الرسمية للدولة.
ويعكس هذا التوجه استمرار الحكومة في التعامل مع ملف حصر السلاح والقرار الأمني باعتباره جزءاً أساسياً من مفهوم السيادة، إلى جانب التأكيد على استقلال القرار السياسي العراقي وعدم السماح بتحول البلاد إلى ساحة لتقاطعات القوى الإقليمية والدولية.
وتكمن أهمية هذا المحور في أن نجاحه لا يرتبط بالقرارات الحكومية وحدها، وإنما بقدرة الدولة على فرض منظومة أمنية موحدة وإنهاء تعدد مراكز القرار، وهو ملف ظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العراق خلال السنوات الماضية.
الاقتصاد في مواجهة الاعتماد على النفط
اقتصادياً، يطرح البرنامج مجموعة من الإجراءات التي تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، من بينها التوسع في استثمار المعادن والثروات الطبيعية غير النفطية، وإصلاح القطاع المصرفي الحكومي، وتعزيز البيئة الاستثمارية.
كما تتضمن الأولويات تأسيس المجلس الأعلى للاستثمار والمجلس الأعلى للاستقرار المالي والنقدي، في خطوة تستهدف إنشاء أطر مؤسسية أكثر تخصصاً لإدارة الملفات الاستثمارية والمالية والنقدية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحدياً أساسياً يتمثل في استمرار الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، الأمر الذي يجعل أي انخفاض في أسعار الخام أو اضطراب في أسواق الطاقة ينعكس مباشرة على الموازنة العامة.
مكافحة الفساد.. من الشعارات إلى الإصلاح المؤسسي
ولم يكتف البرنامج برفع شعار مكافحة الفساد، بل نص على إعداد خطة وطنية للإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد المالي والإداري، إلى جانب مراجعة التشريعات ذات الصلة وتعزيز النزاهة والشفافية.
غير أن الاختبار الحقيقي لهذا المسار سيكون في قدرة الحكومة على الانتقال من الإجراءات القانونية والإدارية إلى معالجة البيئات التي تسمح بتراكم الفساد، خصوصاً في العقود الحكومية والمنافذ الحدودية والمؤسسات الاقتصادية والقطاعات التي تتعامل مع المال العام.
كما وضع البرنامج ضبط وتوحيد المنافذ الحدودية ضمن أولوياته، وهو ملف يرتبط بصورة مباشرة بالإيرادات غير النفطية ومكافحة التهريب والفساد وتحسين حركة التجارة.
التحول الرقمي والأمن السيبراني
وفي محور التكنولوجيا، وضعت الحكومة استراتيجية وطنية للتحول الرقمي الشامل، مع دعم مراكز التحول الرقمي والأمن السيبراني، في محاولة لتحديث مؤسسات الدولة وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية.
ويمثل هذا الملف أحد أبرز التحولات المطلوبة في الإدارة العراقية، خصوصاً أن الرقمنة يمكن أن تسهم في تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، ورفع مستوى الشفافية، وتحسين إدارة البيانات الحكومية، فضلاً عن الحد من بعض مسارات الفساد الإداري.
الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية
اجتماعياً، شمل البرنامج ملفات الصحة والتربية والتعليم والحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر وحقوق الإنسان والمرأة والطفل.
وتضمن أيضاً تعزيز منظومة حقوق الإنسان، ورعاية الطفولة، والحد من العنف المجتمعي، إلى جانب إعداد برامج لتأهيل النساء وتدريبهن على تولي مواقع قيادية في المؤسسات الحكومية والسياسية.
كما امتدت الأولويات إلى الشباب والرياضة والثقافة والسياحة والآثار، بما يعكس محاولة لتوسيع مفهوم البرنامج الحكومي ليشمل الجوانب التنموية والاجتماعية والثقافية، وليس الاقتصار على الملفات الأمنية والاقتصادية.
الاختبار الأصعب يبدأ بعد الإقرار
ورغم اتساع البرنامج وتعدد أولوياته، فإن التحدي الأساسي أمام حكومة الزيدي لن يكون في إعلان 139 أولوية، وإنما في القدرة على تنفيذها ضمن جدول زمني واضح، وتوفير التمويل اللازم لها، وربط كل أولوية بمؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.
فكثرة الأولويات قد تتحول، في حال غياب آليات التنفيذ والمتابعة، إلى قائمة طويلة من التعهدات الحكومية، بينما يحتاج العراق فعلياً إلى عدد محدد من المشاريع والإصلاحات ذات الأولوية يمكن قياس نتائجها بصورة دورية.
وبإحالة البرنامج إلى مجلس النواب، ينتقل الملف من مرحلة الإقرار الحكومي إلى مرحلة الاختبار السياسي والرقابي، حيث سيكون البرلمان أمام مسؤولية متابعة ما إذا كانت الأولويات المعلنة ستتحول إلى قوانين وقرارات ومشاريع ملموسة، أم تبقى مجرد خارطة طموحة على الورق.







