حين يغيب القائد عن الميدان… من يقف مع الناس تحت النار؟
بغداد – وكالة حرية
في لحظات الأزمات، لا تُقاس القيادة بالبيانات الرسمية ولا بعدد الاجتماعات المغلقة، بل تُختبر في الميدان، بين الناس، عند أول بيت تضرر، وأول عائلة فقدت أحد أفرادها هكذا تُبنى الثقة، وهكذا تُصنع الشرعية الحقيقية.
ما شهدته بغداد من ضربات صاروخية وقصف جوي طال مناطق سكنية، وخلّف ضحايا مدنيين، أعاد طرح سؤال جوهري أين رئيس الوزراء من المشهد الميداني؟ ولماذا غابت الزيارة المباشرة إلى مواقع الحوادث، في وقت بادر فيه رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي إلى التواجد في منطقة العامرية والوقوف على تفاصيل ما جرى؟
المسألة هنا ليست بروتوكولاً، بل رمزية سياسية عميقة فحين يذهب القائد إلى موقع الحادث، فإنه يرسل عدة رسائل في آن واحد:
أنه حاضر، أنه مسؤول، وأن الدولة لم تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة الخطر.
القائد في الميدان… ليس مشهداً إعلامياً بل عقيدة حكم
في تجارب دولية عديدة، كان حضور القادة في مواقع الأزمات جزءاً من إدارة الأزمة نفسها، وليس مجرد خطوة إعلامية.
في إيران، كثيراً ما ظهر قادة ومسؤولون ميدانيون خلال فترات التصعيد، يتفقدون المواقع ويخاطبون الجمهور مباشرة، في محاولة لتعزيز الصمود الداخلي وربط القرار السياسي بالميدان.

وفي أوكرانيا، شكّل ظهور الرئيس فولوديمير زيلينسكي في الشوارع ومع الجنود وتحت التهديد المباشر، علامة فارقة في تثبيت صورة القيادة الصامدة، خصوصاً في الأسابيع الأولى للحرب.

أما في روسيا، فقد درج الرئيس فلاديمير بوتين على زيارة مواقع عسكرية أو مناطق متأثرة، في إطار إرسال رسائل داخلية وخارجية عن السيطرة والجاهزية.

وفي الولايات المتحدة، يُعد حضور الرئيس في مواقع الكوارث أو الهجمات جزءاً من تقاليد الحكم، كما فعل جو بايدن ودونالد ترامب في حوادث متعددة، حيث يرافق الحضور رسائل دعم وتعويض واحتواء للأزمة.

ماذا يعني أن يذهب القائد إلى موقع الحادث؟
الذهاب إلى الميدان ليس تفصيلاً شكلياً، بل يحمل أبعاداً استراتيجية:
إعادة بناء الثقة: المواطن يرى دولته حاضرة معه، لا بعيدة عنه
امتصاص الغضب الشعبي: الحضور المباشر يقلل فجوة الاحتقان
إدارة الرواية: القائد يسيطر على السردية بدل تركها للإشاعات
رفع معنويات الأجهزة الأمنية: حين ترى القيادة في الصف الأمامي
إرسال رسائل ردع: للخارج بأن الدولة متماسكة رغم الضربات
العراق اليوم… الحاجة إلى قيادة ميدانية
العراق ليس بلداً عادياً في بيئة مستقرة، بل ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد، ما يجعل القيادة الميدانية ضرورة لا خياراً و في ظل الضربات التي تطال مناطق سكنية، فإن غياب القائد التنفيذي الأول عن مواقع الأحداث يفتح باب التساؤلات، ويمنح خصوم الدولة مساحة لتأويل المشهد.

زيارة الحلبوسي إلى العامرية لم تكن مجرد جولة، بل ملء لفراغ سياسي-رمزي كان يفترض أن يشغله رأس السلطة التنفيذية.
الدول لا تُدار من خلف المكاتب في لحظات الخطر والقائد الذي لا يُرى بين شعبه وقت الأزمات، يترك فراغاً أخطر من أي صاروخ.
في بغداد اليوم، الرسالة واضحة الناس تحتاج أن ترى قائدها… لا أن تسمع عنه فقط.







