حرية
لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي قضية تكنولوجية بحتة، بل تحولت إلى أزمة طاقة متنامية في الولايات المتحدة، بعدما دفعت الحاجة الهائلة إلى الكهرباء مطوري مراكز البيانات إلى البحث عن حلول سريعة ومستقلة، حتى لو كان ثمنها مزيداً من الاعتماد على الغاز الطبيعي وارتفاع الانبعاثات.
وبحسب تحليل يستند إلى بيانات «بلومبرغ إن إي إف»، هناك نحو 99 محطة غاز مقترحة لخدمة مراكز البيانات في الولايات المتحدة، بطاقة إجمالية تقترب من 126 غيغاواط موزعة على 22 ولاية. وإذا نفذت هذه المشروعات وعملت وفق معدلات التشغيل المعتادة، فقد تصل انبعاثاتها إلى نحو 318 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهو رقم يعادل قرابة خمس إجمالي انبعاثات قطاع الكهرباء الأميركي.
وتتصدر تكساس المشهد، مستفيدة من وفرة النفط والغاز وسرعة الإجراءات التنظيمية، في وقت أصبحت فيه الولاية إحدى أهم مراكز توسع شركات التكنولوجيا والحوسبة السحابية.
الذكاء الاصطناعي يصطدم بحدود شبكة الكهرباء
المشكلة الأساسية أن بناء مراكز البيانات أصبح أسرع بكثير من قدرة شبكات الكهرباء على مواكبتها.
فمراكز الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات ضخمة ومستقرة من الكهرباء على مدار الساعة، بينما تواجه مشاريع الربط بالشبكات التقليدية فترات انتظار طويلة بسبب محدودية البنية التحتية والحاجة إلى إنشاء خطوط ومحطات تحويل جديدة.
وهنا ظهر اتجاه التوليد خلف العداد، حيث تنشئ شركات مراكز البيانات محطات توليد خاصة بها بالقرب من المنشآت، وتستهلك الكهرباء مباشرة بعيداً عن الاعتماد الكامل على شبكة الكهرباء العامة.
وهذا الحل يوفر ميزة أساسية: السرعة.
فبدلاً من انتظار توسعة الشبكة لسنوات، تستطيع الشركة إنشاء محطة غاز مخصصة وتشغيلها بالتوازي مع توسع مركز البيانات.
مفارقة أمازون ومايكروسوفت
المفارقة أن هذا التوسع يحدث في الوقت الذي تعلن فيه شركات التكنولوجيا الكبرى التزامها بخفض الانبعاثات وتحقيق أهداف مناخية طموحة.
وترتبط مشاريع توليد بالغاز بمراكز بيانات تدعمها شركات كبرى مثل أمازون ومايكروسوفت، بينما يجري في غرب تكساس تطوير مشروعات ضخمة للطاقة بهدف تلبية احتياجات منشآت الحوسبة.
وتكشف هذه التطورات عن تناقض واضح: الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الكهرباء النظيفة، لكنه يحتاج إليها الآن، وليس بعد عقد من الزمن.
وبالتالي تجد شركات التكنولوجيا نفسها أمام معادلة صعبة؛ فإما الانتظار حتى تتوسع مصادر الطاقة المتجددة وشبكات النقل، أو استخدام الغاز الطبيعي لتوفير الكهرباء المطلوبة بسرعة.
الغاز يعود من بوابة الذكاء الاصطناعي
قد تكون هذه التطورات بمثابة انتعاش جديد لصناعة الغاز الأميركية.
ففي الوقت الذي كانت فيه سياسات المناخ تدفع نحو تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، جاءت طفرة الذكاء الاصطناعي لتخلق طلباً جديداً ضخماً على الكهرباء، وبالتالي على مصادر التوليد القادرة على العمل المستمر.
ويمتلك الغاز ميزة مهمة بالنسبة لمطوري مراكز البيانات، تتمثل في قدرته على توفير كهرباء مستقرة وقابلة للتحكم مقارنة بمصادر متجددة تعتمد على ظروف الطقس.
لكن هذه الميزة الاقتصادية والتشغيلية تحمل معها فاتورة بيئية كبيرة.
318 مليون طن.. فاتورة بيئية محتملة
إذا تحولت المشاريع المقترحة إلى واقع، فإن الانبعاثات السنوية المقدرة بنحو 318 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون ستضع شركات التكنولوجيا أمام تحدٍ أكبر في تحقيق أهدافها المناخية.
وقد ترتفع الانبعاثات أكثر إذا عملت المحطات بكامل طاقتها، في حين أن الرقم النهائي سيعتمد على معدل تشغيل كل محطة وكفاءتها ونوع الوقود المستخدم.
وهنا لا تكمن المشكلة في محطة أو شركة بعينها، بل في النموذج الاقتصادي الجديد الذي يخلقه الذكاء الاصطناعي.
فكلما زادت قدرات الحوسبة، زادت مراكز البيانات، وكلما توسعت مراكز البيانات ارتفع الطلب على الكهرباء، وإذا لم تستطع الطاقة النظيفة والشبكات مواكبة هذا النمو، فإن الغاز سيكون المستفيد الأسرع.
معركة جديدة على الكهرباء
الولايات المتحدة تدخل بذلك مرحلة قد تصبح فيها الكهرباء عاملاً محدداً لنمو الذكاء الاصطناعي، بعد أن كان التركيز في السنوات الماضية منصباً بصورة أكبر على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية.
والسؤال لم يعد: هل تستطيع شركات التكنولوجيا بناء مراكز بيانات أكبر؟
بل أصبح: هل تستطيع الولايات المتحدة توفير الكهرباء اللازمة لتشغيلها دون تحويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى طفرة جديدة في الانبعاثات؟
الإجابة ستتوقف على قدرة واشنطن والشركات على تسريع الاستثمار في الشبكات، والطاقة النووية، والطاقة الشمسية والرياح، وتخزين الكهرباء، إلى جانب تطوير مصادر توليد مستقرة.
أما إذا استمرت الفجوة بين سرعة توسع الذكاء الاصطناعي وسرعة بناء البنية التحتية الكهربائية، فمن المرجح أن يستمر الغاز في ملء الفراغ.
وبذلك، قد تكون المفارقة الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي أن التكنولوجيا التي يُنظر إليها باعتبارها محركاً للمستقبل الرقمي قد تعيد في الوقت نفسه إحياء أحد أقدم مصادر الطاقة: الغاز الطبيعي.







