حرية
تراجع سعر الذهب، الخميس، بعد موجة صعود قوية دفعته إلى أعلى مستوى له في أكثر من شهرين، مع اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح، في وقت واصل فيه الدولار الأميركي تراجعه وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.6% إلى 4495.69 دولاراً للأونصة بحلول الساعة 03:31 بتوقيت غرينتش، الموافق 06:31 صباحاً بتوقيت بغداد، بعدما سجل في وقت سابق 4525.79 دولاراً للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ الثاني من حزيران/يونيو.
وجاء التراجع بعد قفزة تجاوزت 4% خلال جلسة الأربعاء، ما دفع بعض المستثمرين إلى تأمين الأرباح بدلاً من مواصلة عمليات الشراء عند المستويات المرتفعة.
في المقابل، ارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي بنسبة 0.2% إلى 4553.30 دولاراً للأونصة.
جني الأرباح يوقف موجة الصعود
يأتي انخفاض الذهب في إطار حركة تصحيحية طبيعية بعد الارتفاع الحاد الذي شهده المعدن النفيس خلال الجلسة السابقة.
فالارتفاع السريع بأكثر من 4% خلال يوم واحد يدفع عادةً شريحة من المستثمرين إلى بيع جزء من حيازاتهم لجني الأرباح، خصوصاً عندما يصل السعر إلى مستويات مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة.
لكن التراجع الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد، إذ ما تزال العوامل التي دفعت المستثمرين إلى الذهب قائمة، وفي مقدمتها المخاوف الجيوسياسية، وضعف الدولار، والتوقعات المتعلقة بمسار أسعار الفائدة الأميركية.
الدولار يقترب من أدنى مستوى في ثلاثة أشهر
قدم ضعف الدولار دعماً إضافياً للذهب خلال الفترة الأخيرة.
وتراجع الدولار الأميركي إلى مستويات قريبة من أدنى سعر له في ثلاثة أشهر، وهو ما يجعل الذهب المقوم بالعملة الأميركية أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى.
وعادةً ما تتحرك العلاقة بين الدولار والذهب في اتجاهين متعاكسين، إذ يؤدي انخفاض العملة الأميركية إلى تعزيز جاذبية المعدن النفيس لدى المستثمرين العالميين.
ولهذا فإن استمرار ضعف الدولار قد يوفر دعماً لأسعار الذهب، حتى في حال تعرضه لتصحيحات قصيرة الأجل بعد الارتفاعات القوية.
سندات الخزانة تحت الضغط
تزامن تحرك الذهب مع تطورات في سوق السندات الأميركية.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، أنها ستضاعف حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل بهدف دعم السيولة في السوق، بعد موجة بيع قوية للسندات.
ويأتي ذلك في وقت يطالب فيه المستثمرون بعوائد أعلى، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم نتيجة تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وتحظى سوق السندات الأميركية بأهمية كبيرة بالنسبة إلى الذهب، لأن ارتفاع عوائد السندات يزيد جاذبية الأصول التي تحقق دخلاً ثابتاً، بينما يمكن أن يدفع انخفاض العوائد المستثمرين نحو الذهب الذي لا يدفع فائدة.
الفيدرالي في قلب حركة الأسواق
تترقب الأسواق أيضاً الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وتشير رهانات المتداولين حالياً إلى احتمال يبلغ 67% للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مقابل 33% لاحتمال رفعها في أيلول/سبتمبر، وفق أداة «CME FedWatch».
وتشكل توقعات الفائدة أحد أهم المحركات الحالية لسوق الذهب.
ففي حال اتجه الفيدرالي إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً ورفع أسعار الفائدة، فقد يتعرض الذهب لضغوط نتيجة ارتفاع العوائد الحقيقية على الأصول الأخرى.
أما إذا اتجه البنك المركزي إلى تثبيت الفائدة أو خفضها مستقبلاً، فقد يستعيد الذهب زخمه، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استمرار المخاوف الجيوسياسية وضعف الدولار.
الحرب ترفع الطلب على الملاذات الآمنة
تلعب التطورات الجيوسياسية دوراً محورياً في حركة الذهب.
فالتصعيد العسكري يرفع عادةً الطلب على الأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها ملاذات آمنة، وفي مقدمتها الذهب.
ومع استمرار المخاوف المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، يحتفظ الذهب بموقعه كأداة للتحوط من المخاطر.
إلا أن هذا العامل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تقلبات حادة، إذ إن أي مؤشرات على التهدئة قد تدفع المستثمرين إلى التخلي عن جزء من مراكزهم في الذهب والعودة إلى الأصول الأكثر مخاطرة.
المعادن النفيسة تتحرك بصورة متباينة
لم تسر جميع المعادن النفيسة في الاتجاه نفسه.
فقد ارتفعت الفضة الفورية بنسبة 0.2% إلى 67.07 دولاراً للأونصة، بينما انخفض البلاتين بنسبة 1.3% إلى 1802.29 دولاراً.
كما تراجع البلاديوم بنسبة 0.2% إلى 1328.06 دولاراً للأونصة.
ويعكس هذا التباين اختلاف طبيعة الطلب على كل معدن، إذ يرتبط الذهب بدرجة أكبر بالاستثمار والتحوط، في حين تتأثر الفضة والبلاتين والبلاديوم أيضاً بعوامل مرتبطة بالطلب الصناعي وسلاسل التوريد.
ماذا يعني ذلك للأسواق؟
رغم تراجع الذهب، فإن بقاء السعر قريباً من مستوى 4500 دولار للأونصة يوضح قوة الاتجاه الذي شهده المعدن خلال الفترة الأخيرة.
والمؤشرات الحالية تشير إلى أن السوق أمام صراع بين عاملين رئيسيين:
الأول: عمليات جني الأرباح بعد الارتفاع السريع.
والثاني: استمرار الطلب على الذهب كملاذ آمن في ظل ضعف الدولار والتوترات الجيوسياسية وعدم وضوح مسار السياسة النقدية الأميركية.
وبالتالي، فإن مسار الذهب خلال الفترة المقبلة سيكون مرتبطاً بدرجة كبيرة بثلاثة متغيرات: تطورات الحرب، وحركة الدولار وعوائد السندات، وإشارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وفي حال استمرت المخاطر الجيوسياسية وضعف الدولار، فقد يجد الذهب دعماً للعودة إلى اختبار قممه الأخيرة، بينما قد يؤدي انحسار التوترات أو تشدد الفيدرالي إلى موجة تصحيح أوسع.
وبينما أخذ المستثمرون نفساً لالتقاط الأرباح بعد الصعود القوي، تبقى سوق الذهب في حالة ترقب، لأن العوامل التي قادته إلى مستويات قياسية لم تختفِ بعد.







