حرية
استقرت أسعار الذهب قرب أعلى مستوياتها في أسبوعين خلال تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بتراجع توقعات الأسواق بشأن تشديد السياسة النقدية الأميركية، بعد صدور بيانات أظهرت تباطؤاً أكبر من المتوقع في نمو الوظائف بالولايات المتحدة، ما عزز رهانات المستثمرين على اقتراب مجلس الاحتياطي الفيدرالي من إنهاء دورة رفع أسعار الفائدة.
وسجل الذهب في المعاملات الفورية نحو 4175.02 دولاراً للأونصة، محافظاً على المكاسب التي تجاوزت 2% خلال الأسبوع الماضي، فيما ارتفعت العقود الآجلة الأميركية للذهب تسليم آب بنسبة 1.5% إلى 4186.80 دولاراً للأونصة، في مؤشر على استمرار الطلب على المعدن النفيس كملاذ آمن.
بيانات الوظائف تغير اتجاه الأسواق
جاء الدعم الرئيسي للذهب بعد صدور بيانات سوق العمل الأميركية التي أظهرت تباطؤاً واضحاً في وتيرة التوظيف خلال شهر حزيران، إلى جانب مراجعة هبوطية لبيانات الشهرين السابقين، وهو ما اعتبرته الأسواق إشارة إلى بدء فقدان سوق العمل زخمه بعد فترة طويلة من النمو القوي.
وأدت هذه البيانات إلى تراجع توقعات المستثمرين بشأن استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة، إذ انخفضت احتمالات رفعها خلال اجتماع أيلول إلى نحو 55%، بعدما كانت التوقعات تشير إلى احتمال أكبر قبل صدور البيانات.
ويعد هذا التحول مهماً بالنسبة للذهب، لأن أسعار الفائدة المرتفعة تزيد من جاذبية الأصول المدرة للعائد مثل السندات، بينما يؤدي انخفاض توقعات الفائدة إلى تعزيز الإقبال على الذهب، الذي لا يحقق عائداً دورياً لكنه يحتفظ بقيمته في أوقات عدم اليقين.
لماذا يستفيد الذهب من تباطؤ الاقتصاد؟
يرتبط الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة والدولار الأميركي. فعندما تشير البيانات الاقتصادية إلى تباطؤ النمو، تميل البنوك المركزية إلى تخفيف التشدد النقدي أو تثبيت الفائدة، وهو ما ينعكس عادةً بانخفاض عوائد سندات الخزانة وتراجع قوة الدولار، الأمر الذي يجعل الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين حول العالم.
كما أن ضعف البيانات الاقتصادية يزيد من المخاوف بشأن مستقبل النمو العالمي، ما يدفع جزءاً من رؤوس الأموال إلى البحث عن أدوات استثمارية أكثر أماناً، وفي مقدمتها الذهب.
الأنظار تتجه إلى محضر الفيدرالي
يترقب المستثمرون خلال الأسبوع الجاري صدور محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بحثاً عن إشارات أوضح بشأن تقييم أعضاء المجلس للتضخم وسوق العمل، ومدى استعدادهم للمضي في رفع أسعار الفائدة أو الاكتفاء بالمستويات الحالية.
ومن المتوقع أن يكون لأي تلميحات بشأن توقيت خفض الفائدة أو استمرار تثبيتها تأثير مباشر في حركة الذهب والدولار وأسواق الأسهم العالمية، إذ تمثل السياسة النقدية الأميركية العامل الأكثر تأثيراً في اتجاه أسعار المعادن النفيسة.
أداء إيجابي لبقية المعادن النفيسة
لم يقتصر التحسن على الذهب، إذ شهدت بقية المعادن النفيسة مكاسب محدودة، حيث ارتفعت الفضة بنسبة 0.1% إلى 62.48 دولاراً للأونصة، وصعد البلاتين بنسبة 0.4% إلى 1645.05 دولاراً، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 0.1% إلى 1275.18 دولاراً للأونصة.
ويشير هذا الأداء الجماعي إلى تحسن شهية المستثمرين تجاه قطاع المعادن النفيسة، مدعوماً بتوقعات أكثر مرونة بشأن السياسة النقدية الأميركية.
هل يواصل الذهب الصعود؟
يرى محللون أن استمرار الذهب بالقرب من أعلى مستوياته الأخيرة يعكس تحولاً تدريجياً في مزاج الأسواق، إلا أن مساره خلال الفترة المقبلة سيظل مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها بيانات التضخم الأميركية، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، وحركة الدولار، إضافة إلى التطورات الجيوسياسية التي تعزز عادة الطلب على الملاذات الآمنة.
وفي حال واصلت البيانات الاقتصادية الأميركية إظهار تباطؤ في النشاط الاقتصادي وتراجع الضغوط التضخمية، فقد يجد الذهب دعماً إضافياً يمكن أن يدفعه إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة. أما إذا عادت مؤشرات التضخم إلى الارتفاع، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشدداً، وهو ما قد يحد من مكاسب المعدن الأصفر.
قراءة اقتصادية
تعكس التحركات الحالية للأسواق انتقال اهتمام المستثمرين من مراقبة التضخم إلى تقييم قوة الاقتصاد الأميركي. فكلما زادت المؤشرات على تباطؤ النمو، ارتفعت التوقعات بتيسير السياسة النقدية، وهو ما يصب في مصلحة الذهب.
وبذلك، لم تعد أسعار الذهب تتحرك فقط استجابة للتوترات الجيوسياسية، بل أصبحت ترتبط بصورة وثيقة بتوقعات أسعار الفائدة الأميركية، التي تمثل اليوم المحرك الرئيس لاتجاهات الأسواق العالمية.







