الفريق الركن الدكتور محمد العسكري
بعد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى أحادية القطب في العالم، وانفراط عقد القطب الآخر، أصبحت سياسة واستراتيجية أمريكا هي تطوير وإدامة مسارات الردع الاستراتيجي بكافة أنواعه، وليس فقط متمثل بالردع الاقتصادي أو العسكري. ووضعت مبادئ في عقيدتها العسكرية هي التدخل بالقوة العسكرية ضد أي دولة في العالم تراها تمثل تهديدًا على الولايات المتحدة الأمريكية أو احد حلفائها او السلم العالمي.
وحسب نظريتها ضمان أو القضاء على انتشار الفوضى. فقامت في التدخل العسكري في كثير من البلدان في الشرق الأوسط مثل أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان وإيران وغيرها من المناطق الأخرى.و القوى العظمى الكبيرة تتلاشى المواجهة والحروب المباشرة والواسعة، فتستعين عن ذلك بإدامة الصراعات الإقليمية المحدودة، حيث تقوم إحدى القوى العظمى بالتدخل عن طريق إحدى الأطراف الاقليمية وتسعى إلى استمرار الصراع بقصد تحقيق مكاسب اقتصادية أو عسكرية تزيد من مكانتها الدولية في معادلة توازن القوى، كما يحدث في الصراع الحالي بين روسيا وأوكرانيا، ومواصلة الدعم العسكري المتواصل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من الدول الأوروبية، يقابله دعم من الجانب الآخر لروسيا من قبل الصين وكوريا الشمالية وبعض الدول الآسيوية. وفي المواجهة الثانية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. استمرت روسيا والصين بتقديم الدعم ولو كان متواضع لايران لأستنزاف القدرات الأمريكية في منطقة الخليج العربي ولكل منهما يسعى إلى إضعاف قدرات الطرف الآخر من خلال مواجهات ثانوية، وهذا ما يسمى أحيانًا بالحرب بالاستنابة لتجنب الصراع المباشر بين الدول العظمى. هذه القراءة بالنسبة للدول الكبرى. ولكن كيف هو الحال في دول المنطقة؟ فتوازن القوى الإقليمي يشبه إلى حد ما التوازن الدولي، ويخضع للقواعد والأساليب والتطبيقات نفسها، ويؤدي إلى نتائج مشابهة ولكن بدرجة أقل. لأن الهيمنة الإقليمية تلعب دوراً مزدوجاً، الأول هو ما يؤثر في محيطه الإقليمي، والثاني تأثيره الواسع في الصراع الدولي، وقد يؤدي إلى ميل كفة على حساب كفة أخرى. فنجحت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود من جعل الكيان الصهيوني المهيمن الإقليمي في غرب آسيا وفي الشرق الأوسط، نتيجة لدعمها المستمر سواء كان العسكري أو التكنولوجي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.
وكثير من الأحيان كانت تستخدم حق نقض (الفيتو)في مجلس الامن لإبطال قرارات ليس بصالح الكيان الصهيوني وتدينه وكذلك عندما لوحت الولايات المتحدة الأمريكية في حرب عام 1973م
حرب تشرين
باستخدام بيان الردع النووي بعد أن شعرت أن الكيان الصهيوني بدأ يتقهقر وخاصة على الجبهة المصرية ، وبذلك كانت رسالة انذار للدول العربية بأن توقف تقدمها. وهذا الاهتمام بالكيان الصهيوني من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ازداد بعد أن خسرت هيمنت حليفها السابق إيران عام 1979 م عندما تم الإطاحة بالشاه، والتي كانت أمريكا تعد إيران أنها المصد الأول اتجاه الاتحاد السوفيتي والصين.
وهذا يوضح أن الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة فشل في دعم أي قوة صاعدة حليفةله لأنه كان يعتمد في علاقاته مع الدول في الشرق الأوسط، وكذلك الدول العربية، كانت علاقتها مبنية حسب الحاجة والعجز، وليست أصالة الروابط وإدامتها، بل كانت علاقات طوارئ وحسب الظروف بحيث تفتقد إلى الاستمرارية، وهذا ما فسح المجال لأمريكا بأن تدعم حلفاء لها ليصبحوا قوة صاعدة
والمواجهة المستمرة منذ أشهر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران هي بالأساس لردع إيران بعد أن حاولت إيران أن تعود كدولة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط من خلال اهتمامها ببرنامجها النووي وتطوير منظومات أسلحتها الصاروخية الباليستية، وكذلك الطائرات المسيرة والزوارق الانتحارية وغيرها من الأسلحة التي دخلت في مفهوم الحرب الحديثة، لتكون قوة موازية للحليف الأمريكي أي الكيان الصهيوني. فبدأت الحملة والقرارات الأمريكية تنهال ضد إيران لإجهاض هذا المشروع، والذي يُنظر له من وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية أنه يهدد مصالح الدول الغربية وأمريكا وحلفائها ويحددها.
وفي الجانب الآخر، فإن ما قامت به المملكة العربية السعودية بسعيها المستمر لأن تكون قوة مهيمنة إقليمية موازية للقوى الأخرى في منطقة النزاع ليكون لها دور وحضور معتمده على امكانياتها الاقتصادية الهائله لسد نقصها في المجال العسكري فلجأت إلى أسلوب التحالفات المتنوعة لتأمين
التوازن الإقليمي في
منطقة الصراع فلديها تحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية التي أمّنت لها التفوق الناري سواء الجوي أو البحري او التكنولوجيا. والإمكانيات الكبيرة في الرصد والاستطلاع والسيطرة على الأجواء، وأيضا إنشاء منظومات متصديات كدفاع جوي على درجة عالية. وشعرت المملكة العربية السعودية أن الأمور لا تحسم فقط من خلال الدعم الناري، بل فكرت بأن يكون هناك الجزء الآخر المكمل الذي يمثل مرحلة الصمود في المعارك الكبرى، ألا وهو القوات البرية اي العناصر البشرية
فبحثت عن دول لديها إمكانيات عسكرية بشرية وقطعات عسكرية هائلة من خلال معدل نمو سكانها، وكذلك وضعها الاقتصادي. فوجدت الضالة في تركيا وباكستان اللتان تملكان جيوشًا برية واسعة وضخمة. وكذلك لديهما قدرات عسكرية وتصنيعية متطورة واقتصاد مستقر. وفي الجانب الآخر من المنطقة، هناك بعض الدول الصغيرة الحجم. الجغرافي، وقليلة التعداد السكاني، فإنها اكتفت بمبدأ (الأمن يشترى). واعتمدت على الحلفاء الآخرين في تأمين بلدانها نتيجةً لإمكانياتها العسكرية المحدودة. أما في بعض الدول الأخرى، ومنها العراق وسوريا ولبنان … ونتيجةً للظروف والمعارك والفوضى التي عصفت بهذه البلدان، فبرزت للعيان مشهد زعزعة أركان الدولة. فهذه الدول تعاني من حيز كبير في الفوضى نتيجة قيام بعض الحكومات السابقة بتوزيع صلاحياتها إلى جهات رسمية وغير رسمية متمكنة، وبأحزاب ذات ايدلوجية فهي الان
تعالج الثنائية الجامدة التي تجمع بين السيادة والفوضى. وخُلقَت بيئة تتنافس بها مجموعات قوى تختلف وتتحالف فيما بينها. فوجود كتلة فاعلة واحدة متمثلة بالحكومة وتوابعها يقابلها وجود عدد من الجهات الفاعلة الأخرى التي تتنازع على السلطة. وبالنتيجة، يظهر الجانب الآخر والنقيض للسيادة، ألا وهي الفوضى. فالحكومات الحالية تواجه بيئة غامضة وغير مستقرة يتوجب عليها بسط نفوذها لمجابهة أهم أركان زعزعة الدولة.
فالتجاهل والتقليل من شأن الممارسات الخارجة عن القانون تقوّض بلا شك مفهوم الدولة الرصينة ذات السيادة. فلا يمكن بناء المستقبل إلا من خلال مراجعة التجارب الماضية والتعلم منها، ووضع استراتيجية متكاملة لمعالجة الهفوات والنكبات السابقة، لتكون دروسًا صالحه لتأمين بصيص أمل للمستقبل. والملاحظة المهمة: نجد أن لكل دولة في
منطقة الصراع في الشرق الأوسط، لديها استراتيجية واهداف فمنهم من يسعى إلى الهيمنة وتطوير إمكانياته بالاعتماد والتصالح مع شعبه، ومنهم من يحاول أن يحافظ على أمنه بأي شكل من الأشكال من خلال التحالفات والعلاقات الدبلوماسية وغيرها، ومنهم من يحاول أن ينهض من جديد ليعيد سيادته وكرامته على أرضه، ويحاول أن يستعيد تاريخه ومكانته في المنطقة. والكل يسعى إلى تحقيق أهدافه، ولكن ياترى من الذي يحقق هذه الأهداف ويصل إليها؟ والجواب أن من يعمل بنزاهة وإخلاص ومحبة لبلده، ويعد الخطط الاستراتيجية الحقيقية الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية الأنية والمستقبلية ويحافظ على أمن بلاده وينأى عنه عن الصراعات الأخرى، لابده ان يكون النجاح حليفه.







