حرية
أعلنت الصين حزمة إجراءات مالية ونقدية جديدة تهدف إلى تعزيز مكانة اليوان في التجارة والتمويل العالميين، بالتزامن مع مساعيها لإعادة هيكلة اقتصادها الذي يمر بمرحلة تحول عميقة من الاعتماد على العقارات والاستثمار التقليدي إلى التكنولوجيا والابتكار والصناعات المتقدمة.
وخلال منتدى لوجياتسوي المالي في شنغهاي، أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، أن بلاده ماضية في تعزيز استخدام اليوان خارج حدودها، مع اتخاذ إجراءات احترازية لمنع المخاطر المالية الناتجة عن انفتاح الأسواق واندماج الصين المتزايد في النظام المالي العالمي.
وفي خطوة مهمة، منحت السلطات الصينية ستة مصارف حكومية كبرى صلاحيات أوسع لإجراء معاملات اليوان الخارجية في منطقة التجارة الحرة بشنغهاي، كما أطلقت أداة مالية جديدة تسمح للبنوك المركزية الأجنبية وصناديق الثروة السيادية بالحصول على سيولة باليوان مقابل ضمانات من السندات الصينية عالية التصنيف.
كما تواصل بكين التوسع في مشروع اليوان الرقمي، عبر إشراك عشرات المؤسسات المالية في منظومة الدفع الرقمية الجديدة، في محاولة لتوسيع نطاق استخدام العملة الصينية دولياً وتقليل الاعتماد على النظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي.
إعادة رسم الاقتصاد الصيني
تعكس هذه الإجراءات إدراك القيادة الصينية لحجم التحولات التي يشهدها الاقتصاد المحلي، إذ لم يعد النمو يعتمد على القروض العقارية والإنفاق الاستثماري التقليدي كما كان الحال خلال العقدين الماضيين.
فالصين تواجه حالياً تباطؤاً في الطلب المحلي وضعفاً في قطاع العقارات، مقابل نمو متسارع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة والصناعة عالية القيمة.
وفي هذا السياق، أكد المسؤولون الصينيون أن نمو الائتمان المصرفي لم يعد المحرك الرئيسي للاقتصاد، في حين باتت أسواق السندات والأسهم تلعب دوراً أكبر في تمويل النمو الاقتصادي الجديد.
معركة اليوان ضد هيمنة الدولار
تكشف الإجراءات الجديدة أن بكين تخوض معركة طويلة الأمد لتعزيز مكانة اليوان كعملة دولية منافسة للدولار.
فإنشاء أدوات سيولة مخصصة للبنوك المركزية الأجنبية، وتوسيع نطاق اليوان الرقمي، وتسهيل الاستثمار الأجنبي في السندات الصينية، كلها خطوات تستهدف بناء منظومة مالية دولية أكثر اعتماداً على العملة الصينية.
لكن رغم هذا التقدم، ما يزال الدولار يحتفظ بتفوق كبير في التجارة العالمية والاحتياطيات الدولية، وهو ما يجعل عملية تدويل اليوان مشروعاً استراتيجياً طويل المدى أكثر منه تحولاً سريعاً.
أرقام تكشف الثقة بالاقتصاد الصيني
في مؤشر لافت، سجلت ودائع العملات الأجنبية في الصين مستوى قياسياً بلغ 1.16 تريليون دولار، فيما ارتفع رصيد الدولار والعملات الأجنبية لدى الشركات والأفراد بشكل متواصل خلال الأشهر الماضية.
كما واصل اليوان تحقيق مكاسب أمام الدولار هذا العام بنسبة تقارب 3.5%، مستفيداً من الفائض التجاري الضخم الذي تجاوز 105 مليارات دولار خلال شهر أيار وحده.
تسعى الصين اليوم إلى تنفيذ أكبر عملية تحول اقتصادي ومالي منذ عقود، عبر تقليص الاعتماد على العقارات والديون، وتوجيه الاقتصاد نحو التكنولوجيا والابتكار، بالتوازي مع بناء نفوذ مالي عالمي أوسع لليوان. ورغم التحديات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإن الإجراءات الأخيرة تؤكد أن بكين لا تكتفي بإصلاح اقتصادها الداخلي، بل تعمل أيضاً على إعادة تشكيل موازين القوة في النظام المالي العالمي الذي ظل لعقود تحت هيمنة الدولار الأمريكي.







