حرية
تتجه أزمة المياه في العراق إلى مرحلة تتداخل فيها المفاوضات الإقليمية مع اختبار قدرة المؤسسات الحكومية على إدارة الموارد المتاحة وحماية الأنهار من التلوث.
فبين التفاهمات التي تقترب من التنفيذ مع تركيا، والتحركات لتنسيق الإطلاقات المائية مع سوريا، لا يقتصر التحدي على تأمين كميات إضافية من المياه، بل يمتد إلى ضمان وصولها إلى المواطنين، ومعالجة الهدر والتلوث، ومحاسبة الجهات التي عطلت مشاريع خدمية في السنوات الماضية.
وقال وزير الموارد المائية، مثنى التميمي، للصحيفة الرسمية، في تصريح تابعته (حرية) على هامش مشاركته في المؤتمر العربي السابع للمياه في القاهرة، إن التفاهمات مع تركيا وصلت إلى مراحل متقدمة ضمن الاتفاقية المائية بين البلدين، مؤكداً قرب تنفيذ مذكرة التفاهم مع أنقرة.
وأشار التميمي إلى أن العراق يسعى إلى تعزيز التنسيق مع سوريا بشأن إدارة الموارد المائية، ولا سيما الإطلاقات المائية عبر أراضيها، فضلاً عن توسيع التعاون مع مصر وتبادل الخبرات في مواجهة التحديات المشتركة.
وأكد اعتماد الحوار والتفاهم مع تركيا وإيران لمعالجة الملفات المائية.لكن أهمية هذه التحركات لا تنفصل عن طبيعة الاتفاقات السابقة، ومدى قدرتها على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ففي نيسان 2024، وقّع العراق وتركيا اتفاقاً إطارياً للتعاون في مجال المياه، ثم أُعلنت في تشرين الثاني 2025 آلية لتنفيذ مشروعات مشتركة تشمل تحسين نوعية المياه، والحد من تلوث الأنهار، وتطوير أساليب الري، واستصلاح الأراضي، وترشيد الاستخدام.
وتضمنت الآلية اعتماد مشروعات تحدد الجهات العراقية أولوياتها، على أن تتنافس الشركات المؤهلة على تنفيذها وفق الإجراءات الرسمية، مع إخضاع التمويل للمسارات الحكومية المعتمدة.
كما رُبط تمويل المشروعات بآلية تعتمد على عائدات كميات من النفط الخام يحددها قرار من مجلس الوزراء، وهو ما يجعل الشفافية في اختيار المشروعات وإحالتها ومتابعة تنفيذها جزءاً أساسياً من تقييم الاتفاق.
ومع ذلك، فإن توقيع اتفاقات التعاون لا يعني بالضرورة حسم مسألة الحصص المائية.
ففي كانون الثاني 2026، أبلغ وزير الموارد المائية مجلس النواب بأن العراق لا يمتلك اتفاقاً ملزماً مع تركيا يحدد حصصاً ثابتة للمياه، كما أوضح أن الوزارة لا تعد الاتفاق الإطاري الموقّع عام 2024 اتفاقاً ملزماً بالمعنى الذي يحدد تلك الحصص.
وتكشف هذه النقطة جوهر التحدي التفاوضي: فالتعاون في المشروعات والإدارة مهم، لكنه لا يعادل وحده ضمان تدفقات مائية محددة ومستقرة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق مع سوريا، خصوصاً أن نهري دجلة والفرات يتجاوزان الحدود السياسية، وأن إدارة المياه في دولة واحدة تتأثر بما يجري في الدول الأخرى الواقعة ضمن الحوض.
ففي حزيران 2026، ناقشت لجان فنية عراقية وسورية في سد حديثة سبل تحسين إدارة المياه والاستعداد لاجتماعات اللجنة الفنية الثلاثية مع تركيا، فيما أفاد مسؤول في وزارة الموارد المائية بأن الإطلاقات المائية آنذاك لم تتجاوز 55 بالمئة من المستويات المطلوبة. ويؤكد ذلك أن التنسيق الإقليمي لا يزال بحاجة إلى ترتيبات عملية تضمن استدامة الإطلاقات، لا الاكتفاء باللقاءات والتصريحات.
غير أن الأزمة لا تبدأ عند الحدود وحدها؛ فالتراجع في الموارد المائية يتقاطع مع مشكلات داخلية تتعلق بكفاءة إدارة المياه، وتقادم شبكات الري، وتأخر مشاريع المعالجة والتجهيز، وتلوث الأنهار بالمخلفات.
وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر عام 2019 بشأن أزمة البصرة، إخفاق مشاريع لتحسين نوعية المياه، وتأخيرات ومشكلات إدارية وشبهات فساد رافقت بعض المشروعات، بينها مشروع ماء البصرة الكبير.
كما أشارت إلى أن سوء الإدارة وضعف الرقابة والتجاوزات على مصادر المياه أسهمت في تعميق الأزمة. وهذه الوقائع لا تثبت أن كل مشروع متعثر تحيط به شبهة فساد، لكنها توضح كيف يمكن للخلل الإداري والمالي أن يحوّل أزمة الموارد إلى أزمة خدمات وصحة عامة.
وتعود أهمية هذا الملف إلى أن نقص المياه لا يُقاس فقط بما يصل إلى العراق من دول المنبع، بل أيضاً بما يستطيع البلد حفظه ومعالجته وتوزيعه بكفاءة.
فحتى مع تحسن الإطلاقات، قد تتراجع الفائدة الفعلية إذا استمر تلويث الأنهار أو تأخر إنجاز محطات المعالجة وشبكات التوزيع، أو لم تُضبط التجاوزات على الموارد المائية.
لذلك فإن نجاح الاتفاقات الخارجية يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات المحلية على تنفيذ التزاماتها ومراقبة الإنفاق ومحاسبة المقصرين.
وفي تطور داخلي متصل، صوّت مجلس النواب في 24 أيلول 2026 على توصيات لجنة الأمر النيابي رقم 63 لسنة 2026 للتحقيق في أسباب تلوث مياه نهر دجلة، وتحديد الجهات المتسببة فيه والإجراءات المتخذة للحد من آثاره، بحضور وزيري البيئة والموارد المائية.
كما دعا رئيس المجلس إلى تسريع تنفيذ المشروعات الواردة في الاتفاق الإطاري مع تركيا وتشكيل فريق عمل حكومي بين الوزارتين.
وفي 5 تشرين الأول 2026، ناقشت اللجنة الوطنية العليا للمياه، برئاسة رئيس الوزراء، إجراءات لحماية دجلة والفرات وتقليل مصادر التلوث.
وتضع هذه التحركات الحكومة أمام مسارين متلازمين: الأول دبلوماسي، يتمثل في تحويل التفاهمات مع تركيا وسوريا إلى ترتيبات واضحة وقابلة للقياس بشأن الإطلاقات المائية وإدارة الموارد؛ والثاني داخلي، يتمثل في معالجة التلوث، وتطوير البنية التحتية، وضمان نزاهة تنفيذ المشروعات والرقابة على الأموال المخصصة لها.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن المعيار الحقيقي لتقدم المفاوضات لن يكون إعلان قرب تنفيذ مذكرة تفاهم فحسب، بل ما ستنتجه من تحسن فعلي في المياه الواصلة إلى العراق، وما سيوازيها من إنجاز للمشروعات المحلية ومحاسبة للجهات المسؤولة عن التعطيل أو التلوث. فالأزمة المائية لا تُحل باتفاق خارجي وحده، كما لا يمكن اختزالها في سوء الإدارة الداخلية؛ إنها ملف تتشابك فيه حقوق العراق المائية مع مسؤولية الدولة عن حماية ما لديها من موارد.







