حرية
تدخل العراق مرحلة سياسية جديدة تتسم بتصاعد جهود ملاحقة شبكات الفساد داخل مؤسسات الدولة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى احتمال توسع التحقيقات لتشمل شخصيات نافذة كانت تُعتبر بعيدة عن المساءلة خلال السنوات الماضية.
وبينما ترفع الحكومة شعار استرداد المال العام وتعزيز الشفافية، تتزايد في المقابل المخاوف من أن تتحول حملة مكافحة الفساد إلى ساحة تجاذب وصراع بين القوى السياسية داخل المنظومة الحاكمة.
وخلال ترؤسه اجتماع الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات، شدد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على ضرورة أن تطال إجراءات مكافحة الفساد المستويات العليا دون الاكتفاء بالموظفين الصغار، مشيراً إلى أن تضخيم كلف المشاريع في بعض الحالات يصل إلى حد “السرقة”، في إشارة فسّرها مراقبون بأنها توجه لفتح ملفات أكبر خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، نقلت مصادر حكومية أن بغداد تلقت خلال الأشهر الأخيرة رسائل من مؤسسات مالية دولية وجهات مانحة، تدعو إلى تعزيز الشفافية وتفعيل أدوات مكافحة الفساد، فيما أبدت الولايات المتحدة استعدادها لتقديم دعم فني وتقني في مجالات تتبع الأموال واستردادها.
وأوضحت المصادر أن ملف مكافحة الفساد بات جزءاً من النقاشات الاقتصادية بين العراق والمؤسسات الدولية، خصوصاً في ظل الضغوط المالية الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الالتزامات التشغيلية، ما يدفع الحكومة للبحث عن حلول تمويلية وإصلاحات مالية موازية.
من جهته، يرى مختصون أن نجاح الحملة الحالية يعتمد على قدرتها على الابتعاد عن التجاذبات السياسية، مؤكدين أن أي توسع في التحقيقات قد يرفع مستوى التوتر داخل التحالفات السياسية الحاكمة إذا شملت شخصيات ذات نفوذ.
ورغم الدعم الشعبي والسياسي المعلن لمكافحة الفساد، يحذر مراقبون من استغلال بعض الملفات في صراعات داخلية أو تصفية حسابات سياسية، في حين يبقى المطلب الأساسي هو تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
ويشير خبراء إلى أن الفساد في العراق لم يعد حالات فردية، بل أصبح مرتبطاً بشبكات معقدة تمتد داخل مؤسسات الدولة، ما يجعل مكافحته تتطلب إجراءات أوسع من اللجان والتحقيقات التقليدية.
تعكس التطورات الحالية انتقال ملف مكافحة الفساد في العراق من مرحلة “الإعلان السياسي” إلى مرحلة “الاختبار العملي”، حيث تواجه الحكومة تحدياً مزدوجاً يتمثل في استعادة المال العام من جهة، وتجنب تفجير صراعات داخل المنظومة السياسية من جهة أخرى.
وتكمن حساسية المرحلة في أن أي توسع في التحقيقات قد يصطدم بشبكات نفوذ داخل الدولة، ما يجعل مكافحة الفساد ليست مجرد قضية قانونية، بل ملفاً سياسياً بامتياز يرتبط بتوازنات الحكم والتحالفات القائمة.
كما أن دخول مؤسسات مالية دولية على خط الملف يعكس ارتباط الإصلاحات الاقتصادية في العراق بمدى قدرته على تحسين بيئة الحوكمة والشفافية، خصوصاً في ظل الضغوط المالية الراهنة.
يمثل ملف الفساد اليوم أحد أكثر الملفات حساسية في العراق، إذ قد يحدد مستقبل العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، ويختبر قدرة الحكومة على المضي في إصلاحات حقيقية دون أن تتحول المعركة إلى أزمة سياسية داخلية.







