حرية
حذرت صحيفة الغارديان البريطانية من أن الضربات الجوية الأميركية – السعودية التي استهدفت مواقع لفصائل مسلحة داخل العراق تمثل نقطة تحول خطيرة في مسار الصراع الإقليمي، معتبرة أن المنطقة دخلت مرحلة تتسم بارتفاع مستويات المخاطرة وانعدام القدرة على التنبؤ، مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما.
وذكرت الصحيفة، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن الغارات التي نُفذت فجر الأربعاء جاءت بعد فترة هدوء قصيرة أعقبت تعليق الضربات الأميركية المباشرة على إيران، إلا أن الصراع لم يتراجع، بل انتقل إلى ساحات أخرى عبر الحلفاء الإقليميين لطهران، وفي مقدمتهم الفصائل المسلحة في العراق والحوثيون في اليمن.
وأضاف التقرير أن الضربات المتبادلة تمثل مؤشراً واضحاً على انتهاء مرحلة التهدئة المؤقتة، لافتاً إلى أن اليوم نفسه شهد انفجارات استهدفت منشآت في ميناء دمياط المصري، في حادثة لم تُعرف الجهة المسؤولة عنها، بما يعكس اتساع رقعة التوتر في المنطقة.
ورأت الصحيفة أن الإعلان السعودي العلني عن المشاركة في الضربات داخل العراق يمثل تطوراً غير مسبوق، بعد سنوات من الحديث عن أدوار أمنية محدودة وغير معلنة، وهو ما تزامن مع إعلان جماعة الحوثي فرض حصار على الموانئ والشحنات السعودية عند مدخل البحر الأحمر، في محاولة لتوسيع ساحات المواجهة.
ونقلت “الغارديان” عن الباحثة في معهد “تشاتهام هاوس” سنام وكيل قولها إن المشهد الإقليمي أصبح يفتقر إلى المنطق التقليدي، وإن جميع الأطراف تحاول فهم صراع تتبدل قواعده بسرعة.
وأوضحت أن التوقف غير الرسمي للضربات الأميركية المباشرة على إيران دفع طهران، بحسب بعض التقديرات، إلى الاعتماد بصورة أكبر على حلفائها للحفاظ على الضغط العسكري والسياسي على واشنطن، مضيفة أن سياسة “الإنكار المعقول” التي اعتمدتها إيران طوال سنوات لم تعد فعالة، بعدما أصبحت العلاقة بينها وبين وكلائها أكثر وضوحاً أمام المجتمع الدولي.
وأشارت وكيل إلى أن طهران تستخدم حالة عدم اليقين كوسيلة ضغط، سواء لدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو تصعيد أكبر أو لإجباره على تقديم تنازلات، مع استمرار توظيف ملف مضيق هرمز كورقة استراتيجية في المفاوضات والمواجهة العسكرية.
وفي المقابل، نقل التقرير عن الباحث في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، إتش إيه هيلير، أن السعودية تسعى إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن دول الخليج لن تبقى في موقع الدفاع أو الاكتفاء بردود الفعل، وأن الاعتقاد الإيراني بإمكانية تجنب التصعيد الخليجي لم يعد قائماً.
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن المشكلة الأساسية تكمن في استحالة التنبؤ بكيفية رد الفصائل المسلحة أو إيران على هذه الضربات، الأمر الذي يجعل المنطقة تدخل ما وصفه بـ”المجهول الاستراتيجي”.
وأضاف هيلير أن طهران تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها حرباً وجودية تستهدف النظام الإيراني، وهو ما قد يدفعها إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة بصورة أكثر خطورة، حتى وإن كانت تبالغ في تقدير قدراتها أو خياراتها.
تعكس قراءة “الغارديان” تحولاً في طبيعة الصراع من مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران إلى شبكة نزاعات متداخلة تشمل العراق واليمن والخليج والبحر الأحمر، مع دخول أطراف إقليمية بصورة أكثر مباشرة.
وتبرز ثلاثة مؤشرات رئيسية في هذا السياق:
- اتساع مسرح العمليات، بحيث لم يعد يقتصر على الأراضي الإيرانية، بل امتد إلى العراق والبحر الأحمر، مع احتمالات انتقاله إلى ساحات أخرى.
- تراجع فعالية سياسة الوكلاء، إذ أصبحت المسؤولية عن الهجمات تُنسب بصورة متزايدة إلى إيران، ما يقلل من هامش المناورة السياسية.
- ارتفاع مخاطر سوء التقدير، حيث قد يقود أي رد غير محسوب إلى تصعيد متسلسل يصعب احتواؤه دبلوماسياً.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة تتسم بارتفاع احتمالات المواجهة المباشرة، بينما تتراجع فرص العودة إلى مسار التهدئة، ما يجعل العراق ودول الخليج في قلب معادلة أمنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية والإقليمية.







