حرية | الاثنين 30 آذار 2026
في ظل تصاعد أنماط الجريمة المنظمة وتعقّد شبكاتها داخل العراق وعبر حدوده، يواجه القضاء العراقي تحديات متزايدة في ملاحقة جماعات إجرامية تتسم بالتنظيم والهيكلية والامتداد الدولي، في وقت يؤكد فيه قضاة مختصون أن المنظومة القانونية الحالية لا تزال تفتقر إلى أدوات متكاملة لمواجهة هذا النوع من الجرائم.
وقال قاضي محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال، القاضي أحمد محمد، إن الجريمة المنظمة تمثل نشاطاً إجرامياً تمارسه جماعة ذات هيكل تنظيمي مستمر تتوزع فيه الأدوار وتدار من خلال قيادة واضحة، وغالباً ما تلجأ هذه الجماعات إلى استخدام شركات واجهة كغطاء قانوني لإخفاء أنشطتها.
وأوضح أن من أبرز صور الجريمة المنظمة الاتجار بالمخدرات والبشر وغسل الأموال والفساد المالي إضافة إلى الجرائم السيبرانية، مشيراً إلى أن القوانين الحالية تفتقر إلى أدوات مهمة مثل المصادرة الموسعة والتحقيقات المالية المعمقة وحماية الشهود، ما يستدعي تشريع قانون خاص يضع تعريفاً دقيقاً للجماعة الإجرامية المنظمة وينظم أساليب التحري الحديثة مثل المراقبة والاختراق.
وأضاف أن القضاء يمتلك بعض الوسائل لملاحقة الشركات الواجهة من خلال تفعيل مبدأ المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي ورفع السرية المصرفية والتنسيق مع الجهات الرقابية، فضلاً عن التعاون الدولي لتتبع الأصول خارج العراق، إلا أن هذه الأدوات ما تزال غير كافية لمواجهة شبكات عابرة للحدود.
وأكد أن إنشاء هيئات قضائية متخصصة بات ضرورة تفرضها طبيعة هذه الجرائم لما تتطلبه من خبرة دقيقة وسرعة في الفصل وتوحيد للاجتهاد القضائي، على أن تكون ضمن هيكل القضاء العادي ولكن بتخصص نوعي.
من جانبه، قال رئيس محكمة جنايات الكرخ القاضي حيدر ناجي إن الجريمة المنظمة تتخذ صوراً متعددة، أبرزها الاتجار بالبشر وتهريبهم وجرائم المخدرات وتجارة السلاح غير المرخص والابتزاز والاحتيال وتزييف العملات وغسل الأموال، إضافة إلى السرقات الكبرى التي تنفذها شبكات ذات تنسيق عالٍ داخل البلاد وخارجها.
وأوضح أن التشريعات العراقية الحالية وعلى رأسها قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية تفتقر إلى تعريف متكامل للجماعة الإجرامية المنظمة كما تخلو من أدوات إجرائية وتقنيات تحرٍ متقدمة، مبيناً أن القوانين الخاصة مثل مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والاتجار بالبشر تعالج جرائم محددة لكنها لا توفر إطاراً قانونياً موحداً يعالج الجريمة المنظمة ككيان مستقل.
وأشار إلى أن الإطار القانوني الحالي يتسم بالتجزئة لأنه يركز على النتائج الإجرامية دون معالجة البنية التنظيمية لهذه الشبكات التي تتميز بالهرمية أو الشبكية والاستمرارية والتخصص وتقسيم الأدوار وطابعها العابر للحدود، ما يستدعي تشريع قانون مستقل على غرار ما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية التي انضم إليها العراق.
وبيّن أن العديد من الدول اتجهت إلى سن قوانين خاصة لمكافحة الجريمة المنظمة بعد أن أثبتت القوانين التقليدية قصورها في مواجهة العصابات الحديثة، لافتاً إلى أن ملاحقة الرؤوس المدبرة خارج العراق تواجه صعوبات قانونية، من بينها غياب بعض اتفاقيات تسليم المجرمين وازدواج الجنسية واشتراط مبدأ التجريم المزدوج.
وأكد أن تحسين تصنيف العراق في مؤشر الجريمة المنظمة يتطلب إصلاحاً تشريعياً شاملاً وتطوير قدرات المحاكم والجهات التحقيقية خاصة في الجرائم المالية والسيبرانية، إلى جانب توسيع اتفاقيات التعاون الدولي وتبادل المعلومات وتسليم المطلوبين.
وشدد القاضيان على أن خطورة الجريمة المنظمة لا تقتصر على بنيتها الإجرامية بل تمتد أحياناً إلى ارتباطها بجهات نافذة، ما يستوجب توفير حماية أمنية مشددة للقضاة وضمانات وظيفية قوية وتجريم أي محاولات للتأثير على القضاء، فضلاً عن أهمية حماية الشهود وسرية الإجراءات في القضايا الكبرى، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من منظومة مواجهة الجريمة المنظمة في العراق.







