حرية
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على نيل حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ثقة مجلس النواب، لا تزال الكابينة الوزارية تعاني فراغاً واسعاً، مع بقاء تسع حقائب شاغرة من أصل 23 وزارة، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر أزمات النظام السياسي العراقي تعقيداً: هل المشكلة في العثور على مرشحين مناسبين، أم في أن القوى السياسية لم تحسم بعد صراعها على النفوذ والحصص؟
آخر المؤشرات جاءت مع إعلان عضو مجلس النواب محمد أبو العيس عن اجتماع مرتقب لقوى الإطار التنسيقي لمناقشة استكمال الكابينة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأنباء المتداولة عن تحديد موعد نهائي للحسم ليست دقيقة، وأن الكتل السياسية قدمت أسماء مرشحيها، لكن العقد لا تزال قائمة، ولا سيما بشأن وزارتي الداخلية والدفاع.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: إذا كانت الأسماء قد قُدمت بالفعل، فلماذا بقيت الحكومة ناقصة حتى الآن؟
تسع وزارات شاغرة.. أزمة أكبر من مجرد تأخير
منح مجلس النواب، في 14 أيار/مايو 2026، الثقة لحكومة الزيدي وصوّت على 14 وزيراً فقط من أصل 23، فيما أُرجئ حسم تسع حقائب بسبب الخلافات السياسية على الأسماء والتوازنات داخل السلطة.
ولم يكن التأجيل في حد ذاته المشكلة، إذ جرى التعامل معه في البداية بوصفه إجراءً مؤقتاً ستُحسم تفاصيله خلال فترة قصيرة، لكن مرور الأشهر من دون استكمال الحكومة حوّل الملف من تأخير سياسي إلى سؤال يتعلق بقدرة القوى التي جاءت بالحكومة على إدارة خلافاتها.
فالحكومة التي يفترض أن تكون في مرحلة تنفيذ برنامجها ومواجهة الملفات الاقتصادية والأمنية والخدمية، لا تزال منشغلة حتى الآن بحسم من يتولى بعض أهم مفاصل الدولة.
الداخلية والدفاع.. العقدة الحقيقية
تكشف التصريحات السياسية أن وزارتي الداخلية والدفاع تمثلان العقدة الأبرز في ملف استكمال الكابينة، وهو أمر ليس مفاجئاً في بلد يمثل فيه الملف الأمني أحد أكثر مراكز النفوذ حساسية.
فالخلاف هنا لا يتعلق فقط بالكفاءة المهنية للمرشح، بل بمن يمتلك حق ترشيحه، ومن يحظى بقبوله، وكيف ستتوزع الصلاحيات والنفوذ داخل المؤسسات الأمنية.
وتبدو هذه المشكلة أكثر حساسية في ظل المرحلة التي يمر بها العراق، مع اقتراب موعد استكمال انسحاب التحالف الدولي، ووجود نقاش سياسي وأمني متصاعد بشأن حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب تحديات تتعلق بالحدود والجماعات المسلحة وملفات التعاون الأمني الإقليمي.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح استمرار الشغور في حقائب أمنية وسيادية رسالة مقلقة، لأن حسم الملفات الكبرى يتطلب مؤسسات مستقرة ومسؤولين يمتلكون تفويضاً سياسياً كاملاً.
من يعرقل الحسم؟
لا توجد جهة سياسية واحدة أعلنت مسؤوليتها عن تأخير استكمال الحكومة، لكن طبيعة المشهد تشير إلى أن التعطيل نتاج تضارب مصالح بين أكثر من طرف داخل التحالفات السياسية نفسها.
فقوى الإطار التنسيقي تمثل مركز الثقل السياسي الداعم للحكومة، لكنها ليست كتلة واحدة تتخذ قرارها بسهولة. إنها تضم قوى وتيارات متعددة، لكل منها حساباتها ومصالحها ورؤيتها بشأن توزيع المناصب السيادية.
كما أن الوزارات الشاغرة لا ترتبط بالإطار وحده، إذ تدخل في حسابات القوى السنية والكردية وشركاء الحكومة الآخرين، ما يجعل أي اتفاق بشأن مرشح معين بحاجة إلى سلسلة طويلة من التفاهمات المتبادلة.
وبذلك، فإن السؤال الأدق ربما لا يكون: من هو الشخص الذي يعرقل استكمال الكابينة؟ بل: من المستفيد من بقاء الملف مفتوحاً؟
فكلما تأخر الحسم، بقيت أوراق التفاوض قائمة، واستمر استخدام الحقائب الشاغرة في مقايضات سياسية أوسع تتعلق بالمناصب والتشريعات والقرارات والنفوذ داخل مؤسسات الدولة.
المرشحون موجودون.. الاتفاق غائب
تأكيد أبو العيس أن الكتل السياسية قدمت أسماء مرشحيها يكشف جانباً مهماً من الأزمة. فالمشكلة، وفق هذه المعطيات، لم تعد نقصاً في الأسماء، وإنما غياب الاتفاق على الأسماء المطروحة.
وهذا يعني أن معيار الاختيار لا يتحرك في مساحة الكفاءة وحدها، بل يبقى محكوماً بمعادلة القبول السياسي.
وفي النظام القائم على التوافقات، قد لا يكون المرشح الأفضل هو الأقرب إلى المنصب، بل المرشح القادر على عبور شبكة الاعتراضات السياسية، وهو ما يجعل الوصول إلى التوافق أكثر صعوبة كلما ارتفعت أهمية الحقيبة الوزارية.
وهنا تتكرر المشكلة القديمة: الدولة تبحث عن وزير، بينما القوى السياسية تبحث عن ضمانات.
هل يدفع الزيدي ثمن خلافات حلفائه؟
من الناحية السياسية، يتحمل رئيس الوزراء مسؤولية أداء حكومته أمام الرأي العام، حتى لو كانت بعض أسباب التعطيل تقع خارج سلطته المباشرة.
فالمواطن لا ينظر إلى التعقيدات الداخلية بين القوى السياسية، بل يرى حكومة لم تستكمل تشكيلها بعد مرور أشهر على ولادتها.
وهذا يضع الزيدي أمام اختبار حقيقي، خصوصاً أن الملفات التي تواجه حكومته لا تحتمل إدارة طويلة بالوكالة أو استمرار الفراغ في المؤسسات التنفيذية.
كما أن بقاء الوزارات شاغرة يمنح خصوم الحكومة مساحة واسعة للتشكيك في قدرتها على اتخاذ القرارات الكبرى، ويعزز الانطباع بأن التوافق الذي أنتج الحكومة لم يكن كاملاً منذ البداية، وأن ما جرى في جلسة منح الثقة كان اتفاقاً على تشكيل حكومة جزئية وتأجيل المعركة الحقيقية إلى ما بعد ذلك.
استكمال الكابينة.. اختبار للائتلاف الحاكم
الاجتماع المرتقب لقوى الإطار التنسيقي قد يكون محاولة جديدة لكسر الجمود، لكنه لن يكون حاسماً ما لم تنتقل القوى السياسية من مرحلة البحث عن الحصص إلى مرحلة تحمل مسؤولية استمرار الفراغ.
فاستكمال الحكومة لم يعد مجرد بند مؤجل على جدول الأعمال، بل أصبح اختباراً لمصداقية القوى التي دعمت تشكيلها.
وكل تأجيل جديد سيطرح سؤالاً أكثر إحراجاً: كيف يمكن لحكومة أن تحسم ملفات بحجم حصر السلاح ومكافحة الفساد والإصلاح الاقتصادي، بينما القوى السياسية الداعمة لها لم تنجح حتى الآن في الاتفاق على شاغلي وزاراتها؟
الخلاصة.. حكومة في السلطة لكن معركة النفوذ لم تنتهِ
بقاء حكومة الزيدي ناقصة حتى الآن لا يبدو مرتبطاً بندرة المرشحين أو غياب الأسماء، بل بتعقيد أعمق يتعلق بصراع النفوذ داخل القوى السياسية وتضارب الحسابات بين شركاء السلطة.
الأسماء موجودة، والحقائب معروفة، والفراغ مستمر.
أما من يعرقل الحسم، فقد لا يكون طرفاً واحداً يمكن الإشارة إليه، بقدر ما هي منظومة تفاهمات لم تكتمل بعد، ما زالت كل جهة فيها تبحث عن حصتها وضماناتها قبل أن تمنح موافقتها النهائية.
ولهذا، فإن الاجتماع المرتقب لن يكون مجرد نقاش حول تسع وزارات شاغرة، بل سيكون اختباراً مباشراً: هل تستطيع القوى الحاكمة تقديم الدولة على مصالحها، أم أن حكومة الزيدي ستبقى رهينة صراع الحصص، حكومة تعمل… لكنها لم تكتمل؟







