بغداد – تقرير خاص
في اللحظات التي تبدو فيها السياسة العراقية ساكنة، تكون في الحقيقة على حافة إعادة تشكيل عميقة ما يجري لا يبدو مجرد توافق سياسي، بل إعادة هندسة للقرار داخل الإطار، حيث تُصاغ التسويات بطريقة لا تُقصي أحداً علناً، لكنها تعيد توزيع النفوذ فعلياً… بالتوازي مع تقديم رسائل تطمين للخارج قد لا تعكس بالكامل موازين القوة الحقيقية داخل الداخل العراقي.
كشفت مصادر سياسية مطلعة أن اجتماعاً حاسماً عُقد في بغداد جمع كلاً من هادي العامري وعمار الحكيم وقيس الخزعلي، انتهى إلى اتفاق شبه نهائي على تمرير اسم باسم البدري كمرشح توافقي لمنصب رئيس الوزراء.
وبحسب المعطيات، فإن هذا التحالف الثلاثي قدّم ضمانات داخل الإطار التنسيقي لدعم البدري، في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي، وسط استمرار التباين داخل بعض أجنحة الإطار، حيث لم يُحسم موقف نوري المالكي بشكل نهائي حتى الآن، كما لم يصدر موقف واضح من همام حمودي.
في المقابل، يواجه رئيس الوزراء المنتهيه ولايته محمد شياع السوداني تراجعاً حاداً في فرص التجديد ، وسط ما تصفه مصادر سياسية بـ“رفض أمريكي قاطع”، وهو ما أقر به حليفه قصي محبوبة، الذي أشار إلى أن حكومة السوداني تواجه إشكاليات حقيقية مع واشنطن، ما جعل استمراره خياراً معقداً في هذه المرحلة.

وتشير المعلومات إلى أن باسم البدري عمل خلال الفترة الماضية على تعزيز فرصه عبر شبكة علاقات سياسية داخل البرلمان، بدعم من شخصيات بينها ياسر صخيل وعدد من النواب، إلى جانب دعم من رجال أعمال، في مسعى منظم للوصول إلى المنصب ضمن توافقات داخلية وخارجية.
كما تفيد التسريبات بأن البدري قدّم تعهدات واضحة تتعلق بالحفاظ على أمن البعثات الدبلوماسية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة مظاهر الانفلات الأمني، في محاولة لطمأنة الأطراف الدولية والمحلية على حد سواء.
الإطار التنسيقي يعيش منذ أسابيع حالة شد وجذب حول هوية رئيس الوزراء المقبل، في ظل تعقيدات داخلية بين أجنحته، وضغوط خارجية متزايدة، خاصة من الولايات المتحدة، التي باتت تلعب دوراً غير مباشر في ترجيح كفة بعض المرشحين أو استبعاد آخرين.
ومع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية، تصاعدت الحاجة إلى مرشح قادر على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل العراقي وضغوط الخارج، دون أن يُحدث صداماً مع أي من الأطراف المؤثرة.
من يقود الإطار الآن؟
ما جرى من اتفاق بين العامري والحكيم والخزعلي يمثل نقطة تحول داخل الإطار التنسيقي، ويمكن قراءته على عدة مستويات:
أولاً: انتقال مركز القرار داخل الإطار
التحالف الثلاثي يعكس تحوّل مركز الثقل من التنافس الفردي إلى “قيادة جماعية” تتخذ القرار وتفرضه على بقية الأطراف، بما فيها القوى التي لم تحسم موقفها بعد.
ثانياً: إسقاط خيار السوداني بضوء خارجي
الحديث عن رفض أمريكي للسوداني ليس تفصيلاً، بل عامل حاسم في النظام السياسي العراقي، أي مرشح لا يحظى بحد أدنى من القبول الدولي، خصوصاً من واشنطن، يصبح عبئاً على التوافقات الداخلية.
ثالثاً: البدري كحل تقاطعي
باسم البدري لا يُطرح كزعيم صدامي، بل كشخصية قادرة على إدارة التوازنات، مع تقديم تطمينات حساسة تتعلق بملفات الأمن والسلاح والبعثات.
رابعاً: تعهدات البدري… رسالة كيف سيتمكن منها
تعهداته بحصر السلاح وحماية البعثات تمثل رسالة للخارج ، لتقديم نفسه كمرشح “دولة” لا مرشح “محور”.
خامساً: المالكي خارج القرار… أم في مرحلة انتظار؟
عدم حسم موقف المالكي يفتح احتمالين: الالتحاق لاحقاً بالتوافق، أو الاحتفاظ بورقة ضغط لإعادة التفاوض لكن المؤشر الأبرز أن القرار بدأ يتشكل من دونه.
العراق يبحث عن “مرشح تسوية”
في خضم هذا الحراك، تتقاطع قراءات عدد من المحللين السياسيين عند نقطة أساسية:
العراق لا يحتاج اليوم إلى مرشح صدام، بل إلى مرشح تسوية يمتلك مواصفات دقيقة:
سياسي ذو تجربة
قيادي صاحب قرار
يحمل برنامجاً حكومياً واضحاً
شخصية هادئة قادرة على امتصاص التوتر
مقبول داخلياً وخارجياً
هذا التوجه يعكس إدراكاً بأن المرحلة الإقليمية الحساسة تفرض اختيار شخصية تدير التوازنات لا تفجرها، وتثبت الاستقرار لا تغامر به.


أين المالكي؟
في المقابل، يبرز سؤال يتردد بقوة داخل الأوساط السياسية:
أين نوري المالكي؟
فالرجل الذي يُوصف بـ“عرّاب الدولة العراقية” وصاحب التأثير العميق، يبدو وفق ما يُتداول في وسائل التواصل أنه التزم الصمت واكتفى بإغلاق هاتفه، في مشهد يثير تساؤلات جدية حول موقعه من التفاهمات الجارية.
هذا الغياب إن صح لا يُقرأ كحياد، بل كصمت ثقيل قد يخفي انتظار اللحظة المناسبة للتدخل، أو إعادة حسابات في ضوء التحولات داخل الإطار.
العراق أمام لحظة إعادة ضبط سياسي دقيقة.
البدري يتقدم… ليس لأنه الأقوى، بل لأنه “الأكثر قبولاً” ضمن معادلة معقدة:
توازن داخلي + طمأنة خارجية + إدارة جماعية للقرار
وإذا ما تم تثبيته، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في صعوده…
بل في قدرة الإطار التنسيقي على إدارة دولة، لا مجرد تقاسم سلطة.







