حرية
تتجاوز التغييرات الحكومية التي كشف عنها النائب منصور البعيجي حدود الإعفاءات الإدارية، لتلامس ملفات أكثر حساسية تتعلق بإدارة المؤسسات الأمنية، ومستقبل الفصائل المسلحة، وحدود التفاهم بينها وبين حكومة علي الزيدي.
فبين إنهاء تكليف رئيس جهاز المخابرات، واحتمال امتداد التغييرات إلى هيئة الحشد الشعبي، وحديث عن مشاركة مرتقبة لكتائب حزب الله في الحكومة، تتقاطع إعادة ترتيب المناصب مع واحد من أكثر الملفات تعقيداً في العراق: حصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية.
وقال البعيجي، النائب عن ائتلاف الإعمار والتنمية، في حوار متلفز وتابعته (حرية) ، إن الزيدي يعمل على تغيير نحو 50 منصباً، معتبراً أن رئيس الوزراء يمتلك دراسة للوضع ويجري التغييرات وفق ما يراه مناسباً لمصلحة الحكومة والشعب.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات قد تشمل هيئة الحشد الشعبي، بعد إنهاء تكليف رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري وتغيير مدير مكتب رئيس الوزراء إحسان العوادي.
وفي الملف الأكثر حساسية، تحدث البعيجي عن تفاهمات بين الحكومة والفصائل المسلحة بشأن تسليم السلاح، قائلاً إن اللجنة الإطارية المعنية بحصره لا تزال تعمل على تقريب وجهات النظر، وإن هناك اتفاقاً وجدولاً زمنياً لتسليم الأسلحة، على حد تعبيره.
وأضاف أن مشاركة الفصائل في العملية السياسية تعكس وجود تفاهم مع الحكومة، مرجحاً احتمال مشاركة كتائب حزب الله في الحكومة، استناداً إلى ما وصفه بامتلاكها نقاطاً تؤهلها لذلك.
وتكشف هذه التصريحات عن مسار تفاوضي تحاول الحكومة من خلاله الجمع بين توسيع المشاركة السياسية وإنهاء مظاهر السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة. لكن الحديث عن التفاهمات لا يحسم وحده طبيعة الالتزامات أو آليات التنفيذ، خصوصاً أن البعيجي لم يوضح تفاصيل الجدول الزمني الذي أشار إليه، ولا الكيفية التي ستُسلّم بها الأسلحة أو الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الاتفاق.
ولا يُعد ملف حصر السلاح بيد الدولة جديداً على المشهد السياسي العراقي؛ فقد أصبح خلال الأشهر الماضية محوراً لتحركات حكومية ومواقف سياسية ودينية، وسط خلافات بشأن آليات التنفيذ ومستقبل الفصائل وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية.وفي أيار 2026، أكد الزيدي المضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن هذا المسار ينسجم مع دعوة المرجعية الدينية العليا، وأن الدولة ينبغي أن تكون الجهة الوحيدة التي تحتكر القوة.
كما دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، في حزيران، بقية الفصائل إلى الالتحاق بالجهات التي أعلنت موافقتها على مبدأ حصر السلاح، وتطبيق الدستور والقانون.
وفي آب الماضي، أعلنت الحكومة استمرار الحوار مع الفصائل، مؤكدة عدم وجود نية للذهاب إلى مواجهة عسكرية، فيما اتجهت إلى إعداد مشروع قانون ينظم حصر السلاح بيد الدولة.
وفي المقابل، تمسكت فصائل أخرى بمواقفها الرافضة لتسليم ما تصفه بسلاح المقاومة، ما أبقى الفجوة قائمة بين التوجه الحكومي ومتطلبات تنفيذه.
ويضع هذا المسار الزيدي أمام اختبار يتجاوز التفاهمات السياسية: هل تستطيع الحكومة تحويل الاتفاقات المعلنة إلى خطوات واضحة وموثقة، تضمن خضوع السلاح لسلطة الدولة، من دون أن يؤدي ذلك إلى صدام داخلي؟ فنجاح المشروع لا يتوقف على تصريحات القوى السياسية وحدها، بل على وجود آليات معلنة للتسليم، وضمانات للتنفيذ، ومساءلة متساوية لكل جهة لا تلتزم بالقانون.
وجاء الكشف عن التغييرات بعد قرار رسمي صدر في 26 تشرين الأول 2026 بإنهاء تكليف حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات الوطني، من دون أن يعلن مكتب رئيس الوزراء في وثيقة الإعفاء أسباباً تفصيلية للقرار. وكان الشطري قد تولى المنصب في كانون الأول 2024، بعد شغله مواقع أمنية واستخباراتية أخرى.
وفي الحوار نفسه، قال النائب طالب البيضاني، عن كتلة صادقون، إن إعفاء الشطري جاء نتيجة قناعة لدى رئيس الوزراء، مشيراً إلى أن الزيدي أعفى أيضاً 63 مستشاراً سياسياً.
ويعكس هذا التبرير، كما عرضه البيضاني، موقفاً سياسياً يرى أن القرارات الإدارية تقع ضمن صلاحيات رئيس الحكومة، لكنه لا يقدم بحد ذاته تفسيراً رسمياً لأسباب إنهاء تكليف رئيس جهاز المخابرات.
وتكتسب التغييرات في المؤسسات الأمنية أهمية إضافية بسبب طبيعة الملفات التي تتولاها، من مكافحة الإرهاب إلى متابعة التهديدات العابرة للحدود.
ولهذا، فإن تقييم هذه القرارات يتطلب التمييز بين صلاحية رئيس الوزراء في إعادة تنظيم فريقه، وبين الحاجة إلى استمرار المؤسسات الأمنية في أداء مهامها بعيداً عن التجاذبات السياسية، مع وضوح المسؤوليات وعدم ربط الإعفاءات باتهامات لم تعلنها الجهات الرسمية.
وتزامنت هذه التطورات مع حادثة المسيّرات قرب المنطقة الخضراء في بغداد، الثلاثاء 27 تشرين الأول، حين أعلنت خلية الإعلام الأمني إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية في محيط المنطقة، فيما تسببت عملية التعامل معها بدوي سُمع في أجزاء من العاصمة.
ورأى البعيجي أن الفصائل قد لا تكون مسؤولة عن إطلاق المسيّرات، وشبّه الاتهامات الموجهة إليها بما قيل بشأن الهجوم على خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب، مرجحاً وقوف جهات استخباراتية وراء تلك العمليات، ومشيراً إلى احتمال تورط المخابرات الإسرائيلية.
غير أن هذه التصريحات تمثل تقديراً سياسياً للنائب، ولا تثبت هوية الجهة التي أطلقت المسيّرات أو الجهة المسؤولة عن استهداف الأنبوب السعودي.
وكانت السعودية قد أعلنت في أيلول الماضي أن طائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية استهدفت خط الأنابيب، فيما أعلنت بغداد فتح تحقيق لتحديد المسؤولين عن الهجمات.
وفي الحوار الأخير، قال البيضاني إن الطائرة التي استهدفت الأنبوب كانت إماراتية الصنع، مستنداً إلى ما قال إنه فحص أجراه خبراء، نافياً علاقة الفصائل بالهجوم. ولم يقدم الحوار، بحسب المعلومات المتاحة، نتائج تحقيق رسمية مستقلة تحسم هوية الجهة التي نفذت العملية أو مصدر إطلاق الطائرة.
ويكشف تكرار هذه الاتهامات عن حساسية الملف الأمني، إذ يمكن لأي هجوم غير محسوم أن يفتح الباب أمام تصعيد سياسي أو توتر مع دول الجوار. كما أن تبادل الاتهامات لا يغني عن إعلان نتائج التحقيقات والأدلة الفنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بهجمات تمس منشآت استراتيجية أو تهدد أمن العاصمة.
وتضع هذه الملفات الحكومة أمام تحديين متداخلين: إعادة تنظيم المواقع الأمنية والإدارية، وإحراز تقدم ملموس في إخضاع السلاح لسلطة الدولة.
وفي حين يرى البعيجي أن التفاهمات مع الفصائل تسير بصورة جيدة، فإن حجم التغييرات المعلن، واحتمال امتدادها إلى هيئة الحشد الشعبي، يجعلان المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى وضوح القرارات الحكومية وآليات تنفيذها.
أما الحديث عن مشاركة كتائب حزب الله في الحكومة، فيبقى احتمالاً طرحه البعيجي، وليس قراراً حكومياً معلناً في التصريحات المتاحة.
ويظل الفصل ضرورياً بين المشاركة السياسية، والانضواء المؤسسي، وتسليم السلاح؛ فهذه مسارات مختلفة لا يعني تحقق أحدها تلقائياً اكتمال المسارات الأخرى.
وفي ظل تاريخ طويل من تداخل النفوذ السياسي والأمني، وتكرار الاتهامات بشأن الجهات التي تقف وراء الهجمات، تصبح الشفافية في القرارات والتحقيقات شرطاً أساسياً لبناء الثقة.
فالتغييرات في المناصب قد تعيد ترتيب المسؤوليات، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة جذور الأزمة ما لم تقترن بمساءلة واضحة، ونتائج معلنة للتحقيقات، وقواعد موحدة تطبق على جميع الجهات.
وبذلك، لا يتمثل الاختبار الحقيقي لحكومة الزيدي في عدد المناصب التي ستتغير، بل في قدرتها على تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للتحقق، وضمان أن تبقى القرارات الأمنية بيد المؤسسات المختصة، وأن تُحسم الاتهامات المتعلقة بالهجمات بالأدلة لا بالاستنتاجات السياسية.







