حرية
تتجه الأنظار إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث تنطلق الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في محاولة لدفع اتفاق الإطار الموقع بين الطرفين من مرحلة المبادئ إلى مرحلة التنفيذ الميداني، وسط تباين واضح بين الرهانات الرسمية اللبنانية والرفض المطلق الذي يعلنه حزب الله.
وتأتي هذه الجولة في ظل تراجع نسبي للتصعيد العسكري على الحدود الجنوبية، لكنها تنعقد أيضاً في بيئة سياسية وأمنية معقدة، إذ تسعى الحكومة اللبنانية إلى تحقيق انسحابات إسرائيلية تدريجية، بينما تصر تل أبيب على ربط أي انسحاب بضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله من المناطق الحدودية.
اتفاق الإطار يدخل مرحلة الاختبار
كان لبنان وإسرائيل قد توصلا في 26 يونيو/حزيران الماضي إلى اتفاق إطار بعد خمس جولات تفاوضية، ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة، ومنع أي وجود عسكري خارج إطار الدولة، بما يشمل سلاح حزب الله داخل تلك المناطق.
وتسعى الجولة الحالية إلى توسيع ما يعرف بـ”المناطق التجريبية”، بعد تطبيق المرحلة الأولى في بلدة زوطر الغربية، حيث انسحب الجيش الإسرائيلي وانتشرت القوات اللبنانية، في تجربة تراهن عليها واشنطن باعتبارها نموذجاً يمكن تعميمه على بقية المناطق الحدودية.
وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني ضرورة استمرار المفاوضات “بروح بناءة”، فيما أوضحت واشنطن أن المحادثات ستركز على تنفيذ اتفاق الإطار، وتسوية الملفات الحدودية، وصولاً إلى اتفاق أوسع يتعلق بالأمن والاستقرار.
بيروت تراهن على انسحابات متتالية
الحكومة اللبنانية تبدو أكثر تمسكاً بمسار التفاوض، إذ أكد رئيس الوزراء نواف سلام أن هدف بيروت يتمثل في تحقيق انسحابات إسرائيلية متتابعة وصولاً إلى الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.
غير أن هذا المسار يواجه تحدياً عملياً، يتمثل في قدرة الجيش اللبناني على الانتشار داخل المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وفرض احتكار الدولة للسلاح، وهو البند الأكثر حساسية في الاتفاق.
وفي هذا السياق، حذر السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى من التسرع في تنفيذ الاتفاق دون وضع آلية واضحة، معتبراً أن أي خطوات غير مدروسة قد تعرض المدنيين للخطر وتعرقل تنفيذ المراحل اللاحقة.
حزب الله يرفض… ويهاجم الرئاسة
في المقابل، صعّد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم لهجته تجاه المفاوضات، معتبراً أنها لن تجلب للبنان سوى “العار والذل والتنازلات”، في موقف يعكس رفض الحزب لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل.
ولم يكتف قاسم برفض المفاوضات، بل وجه انتقاداً للرئيس اللبناني جوزيف عون، معتبراً أنه لم يعد يؤدي دور “الحكم الجامع”، بل أصبح طرفاً في الانقسام الداخلي، وهو ما يكشف اتساع الفجوة السياسية داخل لبنان بشأن كيفية إدارة العلاقة مع إسرائيل.
ويتمسك الحزب أيضاً برفض تسليم سلاحه، ما يجعل تنفيذ أحد أهم بنود اتفاق الإطار أكثر تعقيداً، خصوصاً أن الاتفاق ينص على حظر أي وجود عسكري خارج المؤسسات الرسمية في المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني.
التحدي الحقيقي… السلاح قبل الحدود
يرى مراقبون أن القضية لم تعد تتعلق فقط بانسحاب إسرائيلي، بل بكيفية إدارة مرحلة ما بعد الانسحاب.
فالاختبار الأكبر سيكون في المناطق الجديدة التي قد تنسحب منها إسرائيل، إذ يتعين على الجيش اللبناني إثبات قدرته على فرض الأمن ومنع إعادة تمركز حزب الله، وهو ما تعتبره تل أبيب شرطاً أساسياً لاستكمال أي انسحاب.
وفي المقابل، يرى حزب الله أن نزع سلاحه يمثل مساساً بدوره العسكري والسياسي، ويربط أي نقاش حول هذا الملف بانسحاب إسرائيلي كامل وضمانات تتعلق بالسيادة اللبنانية.
انفتاح حذر على دمشق
وفي تطور سياسي لافت، أعلن نعيم قاسم لأول مرة عدم ممانعته عقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة عندما يصبح التوقيت مناسباً، مؤكداً أهمية بناء علاقة إيجابية بين بيروت ودمشق.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه يأتي بعد سنوات من القطيعة السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، كما يتزامن مع تصريحات للرئيس السوري أحمد الشرع أبدى فيها استعداداً للحوار مع الحزب إذا كان ذلك يخدم مصالح البلدين.
ويشير هذا الانفتاح المتبادل إلى أن دمشق وبيروت قد تتجهان نحو إعادة صياغة علاقتهما الأمنية والسياسية، بعيداً عن نمط العلاقة الذي كان سائداً في العقود الماضية.
بين الدبلوماسية والواقع الميداني
تعكس جولة روما أن لبنان وإسرائيل دخلا مرحلة مختلفة من إدارة الصراع، تقوم على تفاوض مباشر برعاية أميركية، بدلاً من الاكتفاء بآليات وقف إطلاق النار التقليدية.
لكن نجاح هذا المسار لا يتوقف على الإرادة السياسية وحدها، بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد إسرائيل للانسحاب فعلياً، وقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية، والأهم قبول حزب الله بأي ترتيبات تمس وجوده العسكري.
ولهذا، تبدو المفاوضات الحالية أكثر من مجرد جولة تقنية؛ فهي اختبار لمستقبل جنوب لبنان، ولمعادلة السلاح والدولة، وربما أيضاً لشكل التوازنات الجديدة في المنطقة بعد أشهر من التصعيد الإقليمي.







