حرية
حقل طوينة يعيد ملف خور عبدالله إلى الواجهة
أعاد الحراك الشعبي المناهض لاتفاقية خور عبدالله في البصرة ملف الحقوق البحرية العراقية إلى واجهة المشهد السياسي، على خلفية التحركات الكويتية المرتبطة بحقل طوينة، محذراً من أن أي مشاريع استثمارية في المناطق البحرية محل المطالبات العراقية قد تساهم في تكريس أمر واقع يصعب تغييره مستقبلاً.
وخلال مؤتمر صحفي عقد في البصرة، أعرب أعضاء الحراك عن رفضهم لما وصفوه بالتحركات الكويتية تجاه الحقل، مطالبين الحكومة العراقية بالتحرك على المستويين الدبلوماسي والقانوني، وعدم الاكتفاء بالمواقف السياسية، ولا سيما في ظل استمرار الإشكالات المرتبطة بالحدود والحقوق البحرية في المنطقة.
وقال الحراك إن ما أُعلن عن طرح الكويت مناقصة تقدر بنحو 3.3 مليارات دولار لإنشاء منشأة لمعالجة الغاز بالقرب من مصفاة الزور، بطاقة تصل إلى نحو 632 مليون قدم مكعب يومياً، يمثل، من وجهة نظره، خطوة باتجاه استثمار الحقل وإنتاج واقع اقتصادي وميداني جديد، في وقت ما تزال فيه المطالبات والملفات القانونية المرتبطة بالمنطقة قائمة.
تحذير من تكريس الأمر الواقع
واستنكر الحراك ما وصفه بـ”التعامل مع الملفات البحرية العراقية بمنطق التجزئة”، مؤكداً أن قضية خور عبدالله لا يمكن فصلها عن مجمل ملف الحدود والحقوق البحرية والثروات الطبيعية للعراق.
وأشار إلى أن العراق سبق أن أودع قوائم الإحداثيات والخريطة البحرية لدى الأمم المتحدة، وما أعقب ذلك من اعتراضات خليجية وإقليمية على مضامينها، معتبراً أن هذه التطورات تستوجب تحركاً عراقياً منظماً يحول دون تحول الإجراءات الميدانية أو الاقتصادية إلى وقائع يصعب الاعتراض عليها مستقبلاً.
وأكد الحراك أن الموقف العراقي، وفق ما أعلنته الحكومة سابقاً، يستند إلى القوانين والقرارات العراقية ذات الصلة، فضلاً عن قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
خمسة مطالب أمام الحكومة
وطالب الحراك الحكومة والبرلمان بإعطاء ملف المياه الإقليمية والحقوق البحرية والثروات الطبيعية أولوية، داعياً وزارتي الخارجية والنفط والجهات المختصة إلى التحرك لمنع أي إجراءات يرى أنها تمس المصالح العراقية.
وتضمنت مطالبه:
- تحرك دبلوماسي وقانوني عاجل لمتابعة التطورات المتعلقة بحقل طوينة والمناطق البحرية ومنع تكريس أي أمر واقع يؤثر في حقوق العراق.
- اتخاذ موقف رسمي واضح تجاه المشاريع والأعمال الاستثمارية في المناطق التي تتقاطع مع المطالبات والحقوق البحرية العراقية.
- تفعيل الملف البحري بصورة شاملة، وعدم اختزاله في قضية خور عبدالله أو حقل بعينه.
- تشكيل فريق وطني متخصص يضم الجهات الدبلوماسية والبحرية والقانونية والفنية لإعداد ملف متكامل بشأن الحدود والثروات البحرية.
- التحرك لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختصة لتوثيق الموقف العراقي والاعتراض على أي إجراءات يمكن أن تؤثر في الوضع القانوني أو الاقتصادي للمناطق البحرية محل المطالبة.
بين القانون والسياسة
ويبدو أن جوهر المخاوف التي يطرحها الحراك لا يتعلق بالمشروع الاستثماري وحده، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه من تثبيت لواقع اقتصادي على الأرض. فالمشروعات النفطية والغازية طويلة الأمد قد تخلق مصالح واستثمارات وشبكات إنتاج تجعل أي نزاع لاحق أكثر تعقيداً، حتى وإن بقيت المطالبات القانونية قائمة.
ومن هنا، فإن التعامل العراقي مع الملف يحتاج إلى الفصل بين الاعتراض السياسي والإجراء القانوني الموثق؛ إذ إن الاحتجاجات والتصريحات لا تكفي وحدها لحماية الحقوق البحرية، ما لم تترافق مع خرائط وإحداثيات ووثائق قانونية وملفات فنية يمكن تقديمها إلى الجهات الدولية المختصة.
كما أن إثارة الملف مجدداً تكشف الحاجة إلى سياسة عراقية موحدة في إدارة الحدود البحرية، بدلاً من التعامل مع كل تطور بصورة منفردة. فالحدود البحرية، والثروات الموجودة في المناطق المتداخلة، والملاحة في خور عبدالله، كلها ملفات مترابطة من الناحية الجغرافية والقانونية والاقتصادية.
خور عبدالله.. قضية لم تغلق
ويعود الجدل بشأن اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله إلى عام 2012، عندما وقع العراق والكويت الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2013، لتنظيم الملاحة في الممر، مع النص على عدم تأثيرها في الحدود التي قررها مجلس الأمن بموجب القرار 833 لعام 1993.
وفي أيلول 2023، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً بعدم دستورية قانون تصديق الاتفاقية، الأمر الذي أعاد الملف إلى الواجهة السياسية والقانونية، فيما واصل الحراك الشعبي في البصرة المطالبة بإلغائها والتحرك لحماية الحقوق البحرية العراقية.
أما حقل الدرة، المعروف في العراق باسم طوينة، فيرتبط بملف أكثر تعقيداً، في ظل وجود مطالبات وخلافات بشأن المنطقة البحرية التي يقع فيها، وتداخل المواقف بين دول المنطقة حول حقوق استثماره وتطويره.
العراق أمام اختبار المبادرة
الرسالة الأبرز التي يطرحها الحراك هي أن الملف البحري لم يعد قضية حدودية فحسب، بل أصبح قضية سيادة وثروة واقتصاد وأمن مستقبلي.
وبالتالي، فإن أمام بغداد فرصة للانتقال من سياسة التعامل مع التطورات بعد وقوعها إلى سياسة المبادرة، عبر بناء ملف وطني موحد يجمع الوثائق القانونية والخرائط والإحداثيات والبيانات الفنية، وتفعيله عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية الدولية.
فالتحرك الهادئ والقائم على القانون لا يعني التنازل، كما أن حماية الحقوق العراقية لا تتطلب بالضرورة التصعيد، وإنما تحتاج إلى موقف رسمي ثابت، وملف قانوني متماسك، وتحرك دبلوماسي مستمر يمنع تكريس أي واقع جديد على حساب مصالح العراق وحقوق أجياله المقبلة.







