بغداد – وكالة حرية
د. هبة السامرائي
في كل مرة يُوصَف فيها طالبٌ بأنه ضعيف أو كسول أو غير قابل للتعلّم، يُغلَق بابٌ من أبواب الاحتمال،
ويُعلَّق حكمٌ قاسٍ على روحٍ ما زالت في طور التشكل…
غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بجرأة هو: هل كان الطالب سيئًا حقًا، أم أن اليد التي امتدت لتعلّمه لم تُحسن الإمساك به؟
الحقيقة التي قد تبدو صادمة للبعض، لكنها راسخة في عمق التجربة الإنسانية، هي أنه لا يوجد طالب سيئ بالمعنى المطلق،
بل توجد بيئات تعليمية قاصرة، وأساتذة لم يمتلكوا بعد مفاتيح الوصول إلى عقول طلابهم وقلوبهم…
الطالب يولد وفيه فضولٌ فطري، تلك الشرارة الأولى التي تدفعه للسؤال والاكتشاف،
لكن هذه الشرارة، إن لم تجد من يرعاها، تخبو تدريجيًا حتى تنطفئ، لا لأن الطالب فقد قدرته، بل لأنه لم يجد من يؤمن بها…
هنا تبدأ المأساة الصامتة؛ يتحول الفضول إلى ملل، والحماس إلى تردد، والرغبة في التعلم إلى عبء ثقيل.
الأستاذ ليس ناقلًا للمعلومة فحسب، بل هو صانع تجربة. فالمادة العلمية، مهما بلغت من العمق أو التعقيد، يمكن أن تكون جسرًا أو جدارًا،
والفرق بين الاثنين هو طريقة تقديمها…
كم من طالبٍ كره الرياضيات، لا لأنها مستحيلة، بل لأنها قُدِّمت له كمعادلات جافة بلا روح؟
وكم من آخر عشقها حين لمس فيها تحديًا ممتعًا، أو لعبة ذهنية تستفز ذكاءه؟
إن طرق التدريس ليست رفاهية تربوية، بل جوهر العملية التعليمية،
فالأستاذ الجيد هو من يدرك أن لكل طالب مدخلًا مختلفًا للفهم؛ هذا بصري، وذاك سمعي، وثالث يتعلم بالمحاولة والخطأ…
أما الاكتفاء بأسلوب واحد، فهو كمن يخاطب الحضور بلغة لا يفهمها إلا القليل، ثم يلوم البقية على صمتهم…
ثم تأتي الناحية النفسية، وهي الأرض التي تُزرع فيها كل معرفة،
فالطالب الذي يشعر بالأمان، وبالقبول، وبالاحترام، يفتح قلبه قبل عقله، ويُقبل على التعلم بشغف…
أما ذاك الذي يُقابَل بالسخرية، أو التوبيخ المستمر، أو المقارنة الجارحة، فإنه يبني جدارًا داخليًا يحتمي به، ويغلق كل نافذة قد يدخل منها نور المعرفة…
ليس من العدل أن نطلب من الطالب أن يبدع في بيئة تُشعره بالنقص، أو أن يتفوق تحت ضغط الخوف…
الإبداع يحتاج إلى ثقة، والثقة تُبنى بكلمة طيبة، وبنظرة تقدير، وبإيمان صادق من الأستاذ بأن هذا الطالب قادر، حتى وإن تعثر ألف مرة…
الأستاذ الحقيقي لا يبحث عن الأخطاء ليؤكد سلطته، بل يبحث عن نقاط القوة ليصنع منها بداية…
قد يكون الطالب ضعيفًا في الحفظ، لكنه مبدع في التحليل، وقد لا يجيد الكتابة، لكنه يملك خيالًا خصبًا…
هنا يظهر دور الأستاذ كمنقّب عن الجواهر، لا كقاضٍ يصدر الأحكام…
ومن أعظم ما يمكن أن يقدمه الأستاذ لطلابه هو زرع روح التحدي؛
أن يُشعرهم أن الصعوبة ليست نهاية الطريق، بل بدايته،
وأن الخطأ ليس عيبًا، بل خطوة نحو الصواب،
وأن الفشل تجربة، لا وصمة عار…
بهذه الروح، يتحول الطالب من متلقٍ سلبي إلى باحث، ومن خائف إلى مغامر، ومن متردد إلى واثق…
ولا يقل أهمية عن ذلك كله، التقرب الإنساني من الطالب؛ فحين يشعر الطالب أن أستاذه يراه، ويفهمه، ويهتم به، فإنه يمنحه انتباهه الكامل دون طلب…
العلاقة الإنسانية الصادقة تختصر مسافات طويلة من الشرح والتكرار،
فالكلمة التي تُقال من قلبٍ صادق تصل أسرع من ألف قاعدة تُلقَّن ببرود…
أما الأسرة، فهي شريك لا يمكن تجاهله، لكنها كثيرًا ما تقع في فخ تصديق التصنيفات الجاهزة مثل: “ابني ضعيف”، و”ابنتي لا تفهم”!
وهنا تتضاعف المشكلة، إذ يجد الطالب نفسه محاصرًا بين حكم المدرسة وتأكيد البيت، بينما الحقيقة أنه يحتاج إلى من يرى فيه ما لم يظهر بعد، لا من يكرر ما قيل عنه…
إن إعادة النظر في مفهوم “الطالب السيئ” ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تربوية،
فكل طالب يحمل إمكانية ما، وكل عقل قابل للنمو إذا وُضع في البيئة المناسبة…
وحين نفشل في استخراج هذه الإمكانية، فإن الخلل لا يكمن في المادة الخام، بل في طريقة التعامل معها…
في النهاية، المسألة ليست تبرئة مطلقة للطالب، ولا إدانة شاملة للأستاذ، بل دعوة صادقة لإعادة التوازن في الحكم،
وأن ندرك أن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن الأستاذ، حين يقف أمام طلابه، لا يدرّس مادة فقط، بل يشارك في تشكيل مصائر وبناء شخصيات، ويقدم دعمًا نفسيًا عميقًا…
لعلنا حينها نتوقف عن السؤال: “لماذا هذا الطالب ضعيف؟”،
ونبدأ بالسؤال الأهم: “كيف يمكننا أن نكون نحن أفضل لأجله؟”
فحين يتغير السؤال… تبدأ الحكاية بشكل مختلف.







