حرية
أثار الخبير في الشأن الانتخابي دريد توفيق، اليوم الأربعاء، تساؤلات دستورية وقانونية بشأن قرار اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في عملية التصويت بالانتخابات العراقية المقبلة، محذراً من تعارض محتمل بين الآلية الجديدة والنصوص النافذة التي تنظم عمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
وانتقد توفيق، في بيان، ما وصفه بغياب الأطر الدستورية والقانونية الواضحة عن قرار اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة، متسائلاً عن كيفية التوفيق بين المادة 102 من الدستور، التي تنص على استقلال المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وخضوعها لرقابة مجلس النواب، وبين جعل سجل الناخبين وبياناته تحت سيطرة جهة حكومية ممثلة بوزارة الداخلية.
وأبدى الخبير استغرابه من موافقة رئاسة مجلس المفوضين على مقترح اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة، مشيراً إلى أن قانون الانتخابات رقم 4 لسنة 2023، في المادة الخامسة، ينص على ضرورة تسجيل الناخب في سجل الناخبين وامتلاكه بطاقة انتخابية محدثة بايومترية طويلة الأمد لاستخدامها في عملية الاقتراع.
وتساءل توفيق عن إمكانية تغيير آلية نص عليها القانون من خلال مقترح أو قرار تنفيذي، معتبراً أن أي تعديل في شروط الاقتراع أو أدواته يجب أن يمر عبر المسار القانوني والتشريعي المختص.
كما أثار تساؤلات بشأن غياب الدور الرقابي لمجلس النواب، في ظل ما وصفه بالتعارض بين التوجه الجديد والنصوص الدستورية والقانونية التي تحدد طبيعة عمل المفوضية وسجل الناخبين.
ومن الناحية الفنية، أشار إلى أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة يثير تحديات تتعلق بآلية تحديد مركز وصندوق ومحطة الاقتراع الخاصة بكل ناخب، ما يتطلب وجود قاعدة بيانات متكاملة وربط إلكتروني دقيق بين بيانات وزارة الداخلية والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
وتساءل الخبير أيضاً عن المدة القانونية المتبقية لرئاسة مجلس المفوضين، ومدى ملاءمة اتخاذ قرارات استراتيجية تمس سجل الناخبين وآليات الاقتراع في هذه المرحلة.
ويأتي موقف توفيق بعد اجتماع ترأسه رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، مساء أمس الثلاثاء، ضم ممثلين عن وزارة الداخلية والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بحضور مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، ومدير عام الأحوال المدنية والجوازات والإقامة، وعدد من الضباط والمسؤولين.
ووجّه الزيدي خلال الاجتماع باعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة، كما وجّه وزارة الداخلية بتوفير البيانات والمعلومات اللازمة لتسهيل عمل المفوضية واستكمال المتطلبات الفنية الخاصة بالآلية الجديدة.
وأكد رئيس مجلس الوزراء أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة يمكن أن يسهم في تسهيل إجراءات التصويت أمام المواطنين وتعزيز دقة البيانات الانتخابية، في إطار توجه حكومي نحو توحيد قواعد البيانات والاستفادة من منظومة الهوية الوطنية في الخدمات والإجراءات الرسمية.
يفتح هذا الجدل ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بالفصل بين التطوير التقني للعملية الانتخابية وبين الضمانات الدستورية والقانونية لاستقلالها.
فمن الناحية العملية، قد يوفر اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة قاعدة بيانات أكثر شمولاً ودقة، ويسهم في تقليل تعدد الوثائق المطلوبة من الناخب، فضلاً عن إمكان الحد من بعض المشكلات المرتبطة بتحديث البيانات.
لكن نجاح هذه الخطوة لا يعتمد على الجانب التقني وحده، بل يرتبط بالسؤال القانوني الأساسي: هل يسمح القانون النافذ باستبدال البطاقة الانتخابية البايومترية بالبطاقة الوطنية الموحدة من دون تعديل تشريعي؟
وهنا يكمن جوهر اعتراض الخبير الانتخابي، إذ إن أي إصلاح تقني للعملية الانتخابية، مهما كانت مبرراته، يحتاج إلى سند قانوني واضح يضمن عدم الطعن بشرعية الإجراءات أو نتائج الانتخابات مستقبلاً.
كما أن انتقال جزء من بيانات الناخبين أو ربطها بقاعدة بيانات وزارة الداخلية يفرض الحاجة إلى تحديد واضح للصلاحيات، بحيث يبقى القرار الانتخابي وسجل الناخبين وآليات إدارة الاقتراع ضمن استقلالية المفوضية، مع الاستفادة من بيانات مؤسسات الدولة من خلال اتفاقات وضوابط قانونية محددة.
أما فنياً، فإن نجاح البطاقة الوطنية الموحدة يتطلب معالجة سلسلة من التحديات قبل الوصول إلى يوم الاقتراع، أبرزها تحديث البيانات، وربط الناخب بمركزه الانتخابي، وضمان عدم وجود تكرار أو تعارض في السجلات، فضلاً عن اختبار الأنظمة الإلكترونية في ظروف عملية واسعة.
وبين الرغبة الحكومية في تبسيط إجراءات التصويت، والتحفظات القانونية التي يثيرها مختصون، يبدو أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة يحتاج إلى حسم تشريعي وقانوني وفني متكامل قبل الانتخابات، لتجنب تحويل خطوة تهدف إلى تسهيل الاقتراع إلى مصدر جديد للجدل والطعن السياسي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول البطاقة الوطنية الموحدة إلى بوابة لتحديث شامل للعملية الانتخابية، أم أن غياب السند القانوني الواضح سيجعلها أزمة جديدة تسبق صناديق الاقتراع؟







