تركي الدخيل
لَمَّا كَانَ الشّعْرُ دِيوَانَ العَرَبِ، فَقَدْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا لِنَصَائِحِهِمْ، فَدَوَّنُوا فِيهِ حَثَّهُمْ عَلَى المَحَامِدِ، وَسَطَّرُوا فِيهِ تَحْذِيرَاتِهِمْ، إِنْ فِي العَادَاتِ وَالطّبَاعِ وَالمَسَالِكِ، أَوْ فِي الأَقْوَالِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَفْعَال.
يقول مُضَرِّسُ بنُ رِبْعِي:
إِيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذِي إنْ تَوَسَّعَتْ مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الْمَصَادِرُ
فَمَا حَسَنٌ أَنْ يَعْذِرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ عَاذِرُ
إِيَّاكَ: كَلِمَةٌ تُسْتَخْدَمُ لِلتَّحْذِيرِ، وَهِيَ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُحَذِّرُ، فَقَوْلُهُ: إِيَّاكَ وَالأَمْرَ: أيِ احْذَرْ مِنَ الأَمْرِ وَابْتَعِدْ عَنْهُ وَحَذَارِ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنْهُ فَتَقَعَ فِيهِ وَلَوْ خَطَأً.
المَوَارِدُ: أيِ المَدَاخِل. وَالمَصَادِرُ: المَخَارِج.
يَعْنِي احْذَرْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَهْلٍ يَسِيرٍ دُخُولُهُ، لَكِنِ الخُرُوجُ مِنْهُ صَعْبٌ مُكَلَّفٌ وَغَيْرُ مُتَاحٍ عَلَى الدَّوَام!
احْسَبْ حِسَابَاتِ المَخَارِجِ كَمَا تَحْسِبُ المَدَاخِلَ وَلَا يَغُرنَّكَ يُسْرُ أَحَدِهَا فَيُنْسِيكَ الآخَر.
فِي البَيْتِ الثَّانِي يُؤكِّدُ أَنَّ مِن السُّوءِ أنْ يَنْفَرِدَ المَرْءُ بِعُذْرِ نَفْسِهِ عَلَى فِعْل، فِيمَا يَرَى النَّاسُ أنَّهُ أَخْطَأَ فِي إِتْيَانِهِ هَذَا الأَمْرَ، وَلَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ.
حَذَّرَ الشَّاعِرُ مِن الانْفِرَادِ بِرَأْيٍ يُخَالِفُ رَأىَ النَّاسِ، وَلَاحِظْ – سَيِّدِي القَارِئ – أنَّهُ فِي تَحْذِيرِهِ لَمْ يَتَطَرَّقْ بَتَاتًا لِكَوْنِ المَرْءِ إذَا انْفَرَدَ بِرَأيِهِ مُخَالِفًا رَأْىَ النَّاسِ، أخْطَأ فِي هَذَا الرَّأْي، وَإِنْ كَانَ بِالمُجْمَلِ عدَّ مُخَالَفَةَ النَّاسِ خَطَأً وَإنْ كَانَتْ مُخَالَفَتُهُمْ بِاخْتِيَارِ رَأْيٍ صَائِب!
وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ:
خَاطِبُوا القَوْمَ بِمَا يَفْقَهُونَ، أَتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُه!
وَالأَمْرُ بِمُخَاطَبَةِ عَامَّةِ النَّاسِ بِمَا يَسْتَوْعِبُونَهُ وَيَفْهَمُونَهُ، لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّوَابِ وَالخَطَأِ فِي مَادَةِ الخِطَابِ وَفَحْوَاه…
وَالدَّعْوَةُ لِخِطَابِ النَّاسِ بِمَا يَفْقَهُونَ أيْ يَعْرِفُونَ وَيَفْهَمُونَ، لِأَنَّ ضِدَّ مَا يَفْقَهُونَ وَيَعْرِفُونَ، مَا يَجْهَلُون.
وَالإنْسَانُ عَدُوُّ مَا يَجْهَلُ وَصَدِيقُ مَا يَعْرِف…
قَالَ المَاوِرْدِيُّ فِي «أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدّين»:
فَأَمَّا مَا يَرُومُهُ مِنْ أَعْمَالِهِ، وَيُؤْثِرُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ مِنْ مَطَالِبِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ الْفِكْرَ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فَإِنْ كَانَ الرَّجَاءُ فِيهِ أَغْلَبَ مِنْ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَحُمِدَتِ الْعَافِيَةُ فِيهِ سَلَكَهُ مِنْ أَسْهَلِ مَطَالِبِهِ وَأَلْطَفِ جِهَاتِهِ. وَبِقَدْرِ شَرَفِهِ يَكُونُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ كَانَ الْإِيَاسُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّجَاءِ مَعَ شِدَّةِ التَّغْرِيرِ وَدَنَاءَةِ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَرِّضًا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ – ﷺ – أَنَّهُ قَالَ:
«إذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَفَكِّرْ فِي عَاقِبَتِهِ فَإِنْ كَانَ رُشْدًا فَأَمْضِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيًّا فَانْتَهِ عَنْهُ». وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ: طَلَبُ مَا لَا يُدْرَكُ عَجْزٌ.
وَلْيَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ حِينٍ مِنْ أَيَّامِ عُمُرِهِ خُلُقًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ دَهْرِهِ عَمَلًا فَإِنْ تَخَلَّقَ فِي كِبَرِهِ بِأَخْلَاقِ الصِّغَرِ، وَتَعَاطَى أَفْعَالَ الْفُكَاهَةِ وَالْبَطَرِ، اسْتَصْغَرَهُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَحَقَّرَهُ مَنْ هُوَ أَقَلُّ وَأَحْقَرُ.
ومُضَرِّس بن رِبعي بنُ لُقَيطٍ بنِ خَالدٍ بنِ نَضلةَ ابنِ الأشْتَرِ الأَسدِيّ: شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ مَشْهُودٌ لَهُ بِالتَّمَكُّنِ وَالإِبْدَاع.
قِيلَ إنَّ مضرّسَ بنَ رِبِعيّ أَوْصَى ابْنَهُ، فَقَالَ:
«يا بُنَيَّ، إنَّ الأَسَفَ مَرَضٌ، وَالطَّمَعَ لُؤْمٌ، وَاليَأسَ عَجْزٌ، فاسْلُ عمَّا فَاتَ، وَاحْرِصْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ، وَفَكِّر ثُمَّ قَدِّرْ، ثُمَّ احْضرْ».





