حرية
نفي وزارة الخارجية الأميركية لأي صفة رسمية للجنرال David Petraeus لا يبدو تفصيلاً بروتوكولياً عادياً، بل يحمل أبعاداً سياسية وأمنية دقيقة، خصوصاً أن الرجل ليس شخصية عابرة في تاريخ العراق الحديث، بل أحد أبرز مهندسي الاستراتيجية الأميركية خلال سنوات الحرب والاحتلال.
فالحديث عن “مواطن عادي” يزور بغداد ويلتقي كبار المسؤولين العراقيين، يثير تساؤلات أكثر مما يقدّم إجابات، لأن شخصاً بحجم بترايوس لا يتحرك في ملفات حساسة مثل العراق بمعزل كامل عن دوائر القرار الأميركية، حتى لو لم يكن يحمل منصباً رسمياً.
لماذا بغداد تحديداً؟ ولماذا الآن؟
توقيت الزيارة يبدو بالغ الحساسية، إذ يأتي وسط:
- تصاعد التوتر الإقليمي
- استمرار ملف الفصائل المسلحة الموالية لإيران
- الحديث الأميركي المتكرر عن “حصر السلاح بيد الدولة”
- إعادة ترتيب النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بعد التوترات الأخيرة
وهنا تبدو الزيارة أقرب إلى: “قناة تواصل غير رسمية” أو ما يُعرف دبلوماسياً بـ”الدبلوماسية الرمادية”.
أي استخدام شخصيات نافذة تمتلك خبرة وعلاقات واسعة لإيصال رسائل سياسية وأمنية دون التورط بمواقف رسمية مباشرة.
لماذا اختارت واشنطن النفي السريع؟
النفي الأميركي يحمل عدة رسائل محتملة:
أولاً: تجنب الإحراج السياسي للحكومة العراقية
لو تم تقديم بترايوس كمبعوث رسمي للرئيس Donald Trump، فذلك كان سيعني عملياً أن واشنطن تتحرك بملف أمني حساس داخل العراق، وربما تضغط مباشرة بشأن الفصائل المسلحة، ما قد يضع الحكومة العراقية في موقف داخلي معقد.
لذلك، يمنح وصفه بـ”مواطن عادي” مساحة مرنة لبغداد لتفادي التصعيد السياسي والإعلامي.
ثانياً: اختبار المواقف دون التزام رسمي
الإدارات الأميركية كثيراً ما تستخدم شخصيات أمنية وعسكرية سابقة لاستطلاع المواقف أو تمرير رسائل أولية قبل الانتقال إلى خطوات رسمية.
بترايوس يمتلك:
- شبكة علاقات عسكرية وأمنية واسعة
- معرفة دقيقة بالعراق
- قدرة على التفاوض غير الرسمي
- ثقلاً داخل المؤسسة الأميركية
وبالتالي يمكنه أداء دور “المستكشف السياسي” دون أن تتحمل واشنطن كلفة التصريحات الرسمية.
ثالثاً: محاولة خفض حساسية الزيارة
اسم David Petraeus يرتبط في الذاكرة العراقية:
- بالحرب الأميركية
- بالعمليات العسكرية
- بمرحلة “الصحوات”
- بإعادة تشكيل العقيدة الأمنية العراقية بعد 2003
لذلك فإن ظهوره المفاجئ في بغداد، إذا قُدّم كمبعوث رسمي، كان سيُفسَّر على أنه مؤشر تصعيد أو تدخل مباشر.
ما الرسالة الأمريكية الحقيقية؟
الرسالة الأهم تبدو مرتبطة بملف الفصائل المسلحة, الولايات المتحدة تدرك أن العراق أصبح ساحة مركزية في الصراع الإقليمي مع إيران، وأن أي مواجهة مباشرة أو إعادة تموضع أميركي في المنطقة تمر عبر:
- بغداد
- الفصائل المسلحة
- أمن القواعد الأميركية
- مستقبل الوجود العسكري الأمريكي
ومن المرجح أن الزيارة حملت:
- رسائل تحذير غير معلنة
- مناقشات حول ضبط التصعيد
- ترتيبات أمنية مستقبلية
- وربما جس نبض بشأن شكل العلاقة المقبلة بين بغداد وواشنطن
لماذا يبقى بترايوس شخصية مؤثرة رغم خروجه من السلطة؟
في الولايات المتحدة، كثير من الجنرالات ورؤساء الاستخبارات السابقين يحتفظون بنفوذ غير رسمي داخل:
- مراكز التفكير
- شركات الأمن والدفاع
- جماعات الضغط
- دوائر القرار
وبترايوس تحديداً يُنظر إليه كشخصية تمتلك فهماً عميقاً للشرق الأوسط، لذلك فإن تحركاته غالباً لا تُقرأ كتحركات شخصية بحتة.
هل نحن أمام عودة أمريكية أكثر صلابة إلى العراق؟
ليس بالضرورة عودة عسكرية مباشرة، لكن المؤشرات توحي بأن واشنطن:
- لا تريد خسارة العراق بالكامل لصالح إيران
- تسعى لإعادة ضبط التوازنات الأمنية
- تراقب تمدد الفصائل المسلحة بقلق متزايد
- وتحاول الحفاظ على نفوذها داخل المؤسسة العراقية
أي أن الولايات المتحدة قد تتحرك مستقبلاً عبر:
- الضغط السياسي
- النفوذ الاستخباري
- العقوبات
- التفاهمات الأمنية
بدلاً من التدخل العسكري التقليدي.
القراءة الأعمق للحدث
اللافت أن النفي الأميركي لم يكن نفياً للزيارة نفسها، بل نفياً “للصفة الرسمية”.
وهذه نقطة مهمة جداً.
ففي العرف السياسي، أحياناً يكون: “المبعوث غير الرسمي” أكثر حساسية وخطورة من المبعوث الرسمي، لأنه يتحرك خارج القيود الدبلوماسية التقليدية.
زيارة ديفيد بترايوس تكشف أن العراق عاد مجدداً إلى قلب الحسابات الأمريكية الإقليمية، وأن واشنطن ربما بدأت تعتمد أدوات أكثر مرونة وهدوءاً لإدارة صراع النفوذ مع إيران، عبر شخصيات تمتلك ثقلاً أمنياً واستخبارياً دون أن تتحمل الإدارة الأمريكية تبعات التحرك الرسمي المباشر.







