د.هبة السامرائي
حين يُذكر الإنفاق تتجه الأذهان غالباً إلى المال. يتخيل الناس يداً تمتد إلى جيبها، أو صدقة تُوضع في يد محتاج، أو مبلغاً يُدفع في سبيل خير. وهذا فهم صحيح، لكنه ليس كل الحقيقة. فالإنفاق في ميزان الإسلام أوسع من أن يُحصر في الدراهم والدنانير، وأعمق من أن يُختزل في صورة عطاء مادي فحسب.
لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يفتح للناس أبواب الخير جميعها، وألا يجعل طريق الإحسان حكراً على الأغنياء وأصحاب الأموال. لذلك جاءت الآية الكريمة تحمل معنى واسعًا يتجاوز حدود المال إلى حدود الطاقة والقدرة والإمكانات كلها (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)
والسعة ليست مالاً فقط، بل قد تكون علماً، أو وقتاً، أو خبرة، أو مكانة، أو جهداً، أو كلمة طيبة، أو قلباً رحيما يتسع لآلام الآخرين.
إن الإنفاق في جوهره ليس خروج شيء من اليد، بل (خروج الخير من النفس إلى الناس)..
فكم من إنسان لا يملك مالاً كثيراً لكنه ينفق من وقته حتى يخفف عن مهموم، وينفق من علمه حتى يهدي جاهلاً، وينفق من صبره حتى يحتمل أذى الآخرين، وينفق من رحمته حتى يجبر قلباً مكسوراً. وكم من إنسان يملك ثروات عظيمة لكنه يبخل بها أو يمنّ بها أو يجعلها وسيلة للتفاخر، فلا يبلغ من بركة الإنفاق ما يبلغه صاحب الكلمة الصادقة والنية الخالصة.
ولعل أكثر أوجه الإنفاق عظمةً وأقلها التفاتاً في زماننا هذا هو إنفاق الوقت. فالمال إذا خرج من يد الإنسان أمكن أن يعود إليه يوماً، أما الوقت فإذا مضى فلن يعود أبداً.. ولذلك فإن كل دقيقة يمنحها الإنسان لغيره من عمره هي في حقيقتها جزء من حياته يهديه إليه..
ولعل من أعظم الآيات التي تكشف سر الإنفاق قوله تعالى(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
فالإنفاق الذي يرفع صاحبه عند الله ليس ما كان من فضول الأشياء وبقاياها، وإنما ما اقتطعته النفس من شيء تحبه. لأن قيمة العطاء لا تُقاس بحجمه فقط، بل بما يحمله من صدق وتضحية وإيثار.
قد ينفق غني آلافاً لا يشعر بفقدها، وينفق فقير جزءاً يسيراً من قوته فيكون أجره أعظم لأن قلبه شارك فيما أعطى، ولأن ما خرج من يده خرج بعد مجاهدة ومحبّة لله تعالى.
والإنفاق الذي يحبه الله يبدأ قبل أن تتحرك اليد. يبدأ من النية. فالنية هي الروح التي تمنح العطاء معناه. ورب كلمة صغيرة قالها صاحبها مخلصاً لله فكانت أثقل في الميزان من أموال كثيرة أُنفقت طلباً للثناء أو السمعة أو المديح.
ولهذا وضع الإسلام للإنفاق شروطاً تجعل منه عبادة لا مجرد عادة.
أول هذه الشروط الإخلاص لله تعالى، فالله لا ينظر إلى مقدار ما أُعطي، وإنما ينظر إلى القلب الذي أعطى. فقد يقف شخصان في الموقف نفسه ويقدمان الشيء نفسه، فيُرفع عمل أحدهما ويُرد عمل الآخر، لا لاختلاف العطاء، بل لاختلاف النية.
ومن شروط الإنفاق أن يكون من الحلال الطيب، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. فلا قيمة لعطاء بُني على ظلم أو أُخذ من حق الآخرين أو اختلط بالحرام.
ومن شروطه كذلك ألا يتبعه منٌّ ولا أذى. فما أسرع أن تهدم كلمة جارحة صدقةً عظيمة، وما أقسى أن يتحول المعروف إلى عبء على من أُعطي له. فالإنفاق الحقيقي يرفع المحتاج ولا يذله، ويعينه ولا يكسر كرامته.
ومن شروطه أيضاً أن يكون في موضعه الصحيح، وأن يُقصد به وجه الخير والإصلاح والنفع، لأن الحكمة جزء من العبادة، ولأن العطاء الذي لا يُحسن صاحبه توجيهه قد يضيع أثره أو يفسد مقصده.
وحين نتأمل في أوجه الإنفاق نجد أنها تمتد بامتداد الحياة كلها. فالأب الذي ينفق من وقته على تربية أبنائه إنما يمارس لوناً عظيماً من الإنفاق. والمعلم الذي ينقل علمه بإخلاص ينفق من كنوزه العقلية. والطبيب الذي يواسي مريضه بكلمة رحيمة ينفق من إنسانيته. والزوجة التي تبذل من صبرها وحنانها لأسرتها تنفق من قلبها. والإنسان الذي يعفو عمن ظلمه أحياناً ينفق من قوته النفسية ما هو أثمن من المال.
بل إن الكلمة الطيبة نفسها صدقة. والابتسامة صدقة. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. وكلها صور من الإنفاق الذي أراد الإسلام أن يزرعه في المجتمع حتى يتحول الخير إلى ثقافة يومية يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم الصغيرة قبل أعمالهم الكبيرة.
إن أعظم ما في مفهوم الإنفاق أنه يجعل كل إنسان قادراً على العطاء. فلا يستطيع أحد أن يقول ليس عندي ما أنفقه. لأن الله لم يجعل أبواب الخير مرتبطة بحسابات البنوك، بل ربطها بسعة القلوب قبل سعة الأيدي.
فإن كنت تملك مالاً فأنفق من مالك، وإن كنت تملك علماً فأنفق من علمك، وإن كنت تملك جاهاً فأنفق من جاهك، وإن كنت تملك خبرة فأنفق من خبرتك، وإن كنت لا تملك إلا كلمة صادقة فأنفقها، فلعلها تضيء قلباً أو تنقذ…







