بقلم: دريد توفيق
في عددٍ قديم من جريدة حبزبوز الصادر في بغداد يوم 8 آب 1933 نُشر مقال ساخر بعنوان «صيف وشتاء في سطح واحد». استخدم كاتبه قصة شعبية بسيطة ليعبّر عن مفارقة اجتماعية وسياسية عميقة، فالعجوز التي كانت تتنقل بين سرير ابنها وزوجته في ليلة صيف حارة وتتعجب من حالهما، كانت مجرد مدخل ساخر لسؤال أكبر: كيف يمكن أن يجتمع النقيضان في مكان واحد؟ وكيف يمكن أن تتعايش العدالة واللامساواة في آن واحد؟
كان المقال ينتقد آنذاك تعيين شخص أجنبي في وظيفة حكومية بعد حصوله على الجنسية مباشرة، في مخالفة صريحة للقانون الذي يشترط مرور سنوات على التجنس قبل تولي الوظائف الرسمية. لذلك صرخ الكاتب يومها بعبارة بقيت في الذاكرة البغدادية: «تعالوا يا ناس… يعني قابل صيف وشتاء في سطح واحد؟».
بعد أكثر من تسعين عاماً على ذلك المقال، يبدو أن السؤال نفسه ما زال يتردد في الواقع العراقي ولكن بصورة مختلفة، إذ تحولت القضية اليوم إلى نقاش واسع حول العمالة الأجنبية في سوق العمل العراقي في مقابل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. فالعراق يشهد في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في حضور العمالة الأجنبية في قطاعات عديدة مثل البناء والخدمات والمطاعم والمشاريع الاستثمارية، وفي الوقت نفسه يبحث آلاف العراقيين عن فرصة عمل مستقرة أو مصدر رزق يحفظ كرامتهم.
إن حركة العمالة بين الدول ليست ظاهرة جديدة، بل هي جزء طبيعي من الاقتصاد العالمي، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه الظاهرة من حالة مكملة للاقتصاد الوطني إلى حالة منافسة له. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: كم يبلغ العدد الحقيقي للعمال الأجانب في العراق؟ وكيف دخلوا إلى سوق العمل؟ وهل دخلوا عبر إجازات عمل قانونية أم من خلال طرق غير منظمة؟
هذه الأسئلة تضع المسؤولية على أكثر من جهة. فتنظيم دخول الأجانب وإقامتهم يقع ضمن صلاحيات وزارة الداخلية العراقية، أما تنظيم سوق العمل وإصدار إجازات العمل ومراقبة تشغيل العمالة الأجنبية فيقع ضمن اختصاص وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية. لكن القضية لا تتوقف عند حدود الإجراءات الإدارية، بل تمتد إلى السياسة الاقتصادية للدولة وكيفية إدارة سوق العمل بشكل يحقق التوازن بين الحاجة إلى الخبرات الأجنبية وحماية فرص العمل للمواطنين.
إن الحل الواقعي لهذه المسألة لا يكمن في منع العمالة الأجنبية بشكل مطلق، لأن الاقتصاد الحديث يقوم على الانفتاح وتبادل الخبرات، وإنما في تنظيم هذه العمالة وفق أولويات الاقتصاد الوطني. فالكثير من الدول تعتمد سياسات واضحة تشترط نسباً محددة لتشغيل العمالة الوطنية داخل الشركات، وتفرض تصاريح عمل دقيقة للعمال الأجانب، كما تربط منح التراخيص الاستثمارية بخطط تشغيل حقيقية للعمال المحليين.
وفي هذا السياق يبرز دور مجلس النواب العراقي في وضع تشريعات اقتصادية تدعم تشغيل العراقيين، مثل منح تخفيضات ضريبية للشركات التي توظف نسباً مرتفعة من العمالة العراقية، أو تقديم امتيازات كمركية للمشاريع التي تعتمد على الأيدي العاملة المحلية، إضافة إلى إطلاق برامج تدريب وتأهيل مهني ترفع من كفاءة العامل العراقي وتجعله أكثر قدرة على المنافسة في سوق العمل.
كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، بل تمتد أيضاً إلى القطاع الخاص والمجتمع. فالقطاع الخاص مطالب بأن ينظر إلى تشغيل العراقيين باعتباره استثماراً في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بينما يحتاج المجتمع إلى تعزيز ثقافة العمل والإنتاج وتطوير المهارات المهنية بما يتلاءم مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
إن المفارقة التي تحدث عنها كاتب «حبزبوز» قبل تسعين عاماً ما زالت تطرح نفسها اليوم ولكن بلباس جديد. فالقضية لم تعد مجرد قصة ساخرة عن موظف أجنبي حصل على وظيفة بسرعة، بل أصبحت سؤالاً اقتصادياً واجتماعياً يتعلق بمستقبل سوق العمل في العراق. وبين الحاجة إلى تنظيم العمالة الأجنبية وضرورة حماية فرص العمل للعراقيين يبقى السؤال القديم يتردد بصيغة معاصرة: هل يمكن أن يبقى صيف وشتاء في سطح واحد؟ أم أن الوقت قد حان لوضع سياسة واضحة تعيد التوازن إلى سوق العمل وتمنح العامل العراقي مكانه الطبيعي في اقتصاد بلده.








