حرية
تكشف العملية الأمنية التي نفذتها الشرطة الاتحادية في مزارع البوعيثة جنوبي بغداد عن انتقال ملف حصر السلاح وإغلاق المقرات غير المرخصة من المستوى الإداري والتصريحات الرسمية إلى إجراءات ميدانية مباشرة.
وبحسب المصدر الأمني، أسفرت العملية عن اعتقال أربعة أشخاص وضبط أسلحة مختلفة، إلى جانب إغلاق مقرين وُصفا بأنهما «وهميان» وينتحلان صفة الحشد الشعبي. وتأتي الخطوة بعد إعلان وزارة الداخلية إغلاق 71 مقراً وهمياً في عموم العراق، ضمن إجراءات تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة.
الأهمية هنا لا تكمن في عدد المعتقلين أو الأسلحة المضبوطة فقط، بل في طبيعة المكان المستهدف؛ فالبوعيثة تُعد من المناطق التي تضم مواقع مرتبطة بفصائل مسلحة، وبالتالي فإن دخول قوة اتحادية لتنفيذ عملية ضبط أسلحة وإغلاق مقرات غير رسمية يمثل اختباراً عملياً لقدرة الدولة على فرض الإجراءات التي أعلنتها بشأن تنظيم السلاح.
من «المقر الوهمي» إلى مشكلة السلاح
إغلاق المقرات التي تنتحل صفة الحشد يحمل رسالة مزدوجة: الأولى أن الدولة بدأت تميّز بين المؤسسات الأمنية الرسمية وبين الجهات التي تستخدم أسماءها أو عناوينها للحصول على نفوذ أو غطاء قانوني، والثانية أن هيئة الحشد نفسها أعلنت سابقاً عدم صلتها بالمقرات التي وصفتها وزارة الداخلية بالوهمية.
وهذا يخفف، من الناحية المؤسسية، من حساسية العمليات التي تستهدف هذه المواقع، لأنها لا تُقدَّم باعتبارها مواجهة مع هيئة الحشد كجزء من المنظومة الأمنية، وإنما باعتبارها ملاحقة لجهات تنتحل الصفة الرسمية.
الاختبار الأصعب لم يبدأ بعد
لكن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لن يكون في إغلاق المقرات الوهمية فقط، بل في التعامل مع السلاح غير المرخص والمواقع التابعة لجهات مسلحة خارج الأطر المحددة.
فالعملية في البوعيثة تأتي في توقيت حساس للغاية، مع اقتراب الموعد السياسي المحدد لحصر السلاح بيد الدولة، وسط انقسام مواقف الفصائل بشأن مستقبل قدراتها العسكرية.
ومن هنا، يمكن النظر إلى العملية باعتبارها جزءاً من اختبار تدريجي لسياسة الدولة: تبدأ بالمقرات التي لا تحمل صفة قانونية، ثم تنتقل إلى تنظيم الأسلحة، وتسجيلها، وتحديد الجهة المالكة لها، وصولاً إلى إخضاع النشاط المسلح بالكامل للتسلسل الرسمي.
لماذا البوعيثة مهمة؟
العملية تحمل أيضاً بعداً أمنياً محلياً؛ إذ إن ضبط أسلحة واعتقال أشخاص يجري التحقيق معهم، بالتزامن مع إغلاق مقرات غير رسمية، يعني أن الأجهزة الأمنية لا تتعامل مع الملف باعتباره قضية إدارية فقط، وإنما باعتباره ملفاً أمنياً مرتبطاً بانتشار السلاح والجهات التي تستخدمه.
لكن نجاح هذه السياسة سيُقاس بما سيحدث بعد العملية: هل ستُحال الملفات إلى القضاء؟ هل ستكشف التحقيقات هوية الجهات التي كانت تدير المقرات؟ وهل ستتكرر العمليات في مناطق أخرى تضم مواقع مشابهة؟
إذا استمرت العمليات وفق هذا المسار، فقد تتحول حملة إغلاق المقرات الوهمية من إجراءات متفرقة إلى مرحلة أولى في إعادة رسم خريطة السلاح والمقرات المسلحة داخل بغداد والمحافظات.
والأهم أن تطبيق هذه الإجراءات بصورة متساوية على جميع الجهات سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت حملة حصر السلاح ستتحول إلى سياسة دولة مستدامة، أم تبقى مجرد إجراءات أمنية مرتبطة بظرف سياسي مؤقت.







