حرية
ارتفاع خامي البصرة الثقيل والمتوسط، وفق الأرقام التي أوردتها، لا يمثل قفزة سعرية كبيرة بحد ذاته، لكنه يحمل دلالة مهمة للعراق، لأن حركة الخامات العراقية تأتي في وقت تتجه فيه أسعار النفط العالمية إلى مستويات مرتفعة بفعل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز.
فالزيادة المحدودة في خام البصرة، بنحو 0.5%، تعكس ارتفاعاً أكثر هدوءاً من بعض الخامات الأخرى، ولا سيما مربان الذي قفز بأكثر من 5.7%. وهذا يعني أن الأسواق لا تسعّر جميع أنواع النفط بالطريقة نفسها، بل تضع في الاعتبار جودة الخام، وموقعه، وتكاليف نقله، والخصومات أو العلاوات المرتبطة به.
والعامل الأهم حالياً هو المخاطر الجيوسياسية وليس الطلب وحده. فقد استقرت أسعار النفط اليوم قرب أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع، مع تراجع الآمال بالتوصل سريعاً إلى اتفاق أميركي إيراني يتيح إعادة فتح مضيق هرمز، الأمر الذي أبقى علاوة المخاطر مرتفعة في السوق.
ماذا يعني ذلك للعراق؟
بالنسبة إلى بغداد، ارتفاع السعر العالمي يحمل جانباً إيجابياً مباشراً: كل دولار إضافي في سعر البرميل يعني إيرادات أكبر للخزينة إذا بقيت مستويات التصدير مستقرة.
لكن المشكلة أن ارتفاع النفط الناتج عن أزمة هرمز ليس مكسباً صافياً للعراق. فالعراق نفسه دولة تعتمد على الممرات البحرية في تصدير جزء كبير من نفطها، وبالتالي فإن استمرار اضطراب الملاحة قد يرفع سعر البرميل، لكنه في الوقت نفسه يزيد مخاطر النقل والتأمين والشحن، وقد يضغط على كلفة وصول الخام إلى الأسواق.
وهنا تظهر المفارقة: العراق قد يبيع البرميل بسعر أعلى، لكنه قد يدفع كلفة أكبر للوصول به إلى المشتري.
خام البصرة أمام اختبار أصعب
الارتفاع الحالي ينبغي ألا يُقرأ باعتباره اتجاهاً مضموناً للأسعار. سوق النفط تتحرك حالياً بين عاملين متعاكسين:
التوترات في الشرق الأوسط ومضيق هرمز تدفع الأسعار إلى الأعلى.
احتمال التوصل إلى اتفاق وعودة الملاحة الطبيعية قد يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر بسرعة.
وهذا ما يجعل الإيرادات النفطية العراقية شديدة الحساسية لأي تحول سياسي. فإذا هدأت أزمة هرمز، قد تتراجع الأسعار سريعاً، وإذا تصاعدت المواجهة أو طال إغلاق الممر، فقد تتجه الأسعار إلى مستويات أعلى.
الخطر الحقيقي في الموازنة
المشكلة بالنسبة للعراق ليست في ارتفاع السعر اليوم، وإنما في بناء الموازنة على افتراض استمرار سعر مرتفع.
فالارتفاعات التي تقودها الأزمات لا يمكن التعامل معها كإيراد مستدام. وإذا سجلت الأسعار مستويات مرتفعة خلال فترة معينة ثم تراجعت بعد انحسار الأزمة، فإن الإيرادات الفعلية قد تأتي أقل من التقديرات الحكومية.
لذلك، فإن ارتفاع خام البصرة يوفر للعراق مساحة مالية مؤقتة، لكنه لا يعالج مشكلة الاعتماد المفرط على النفط.
ارتفاع خامي البصرة اليوم هو مكسب للعراق من ناحية الإيرادات، لكنه مكسب مشروط ومهدد بالتقلب. والأسواق النفطية حالياً لا تتحرك وفق أساسيات العرض والطلب فقط، وإنما وفق مسار الصراع والمفاوضات حول إيران ومضيق هرمز.
والدرس الأهم لبغداد هو أن ارتفاع سعر النفط لا يعني بالضرورة تحسن الوضع المالي بصورة مستدامة؛ فالعراق يحتاج إلى استثمار أي زيادة في الإيرادات لتمويل مشاريع إنتاجية وتنويع مصادر الدخل، بدلاً من تحويل الإيرادات الاستثنائية إلى إنفاق جارٍ دائم.






