حرية | الثلاثاء 24 آذار 2026
بقلم: أحمد الحمداني
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لم يعد مقبولًا أن يبقى الخلط قائمًا بين ما هو “دولة” وما هو “فصيل”، بين ما هو مؤسسة عسكرية رسمية وما هو مشروع سياسي أو أيديولوجي. فالحشد الشعبي، بوصفه قوة عسكرية مرتبطة برئاسة الوزراء و بالقائد العام للقوات المسلحة، يجب أن يُفهم داخليًا وخارجيًا ضمن هذا الإطار السيادي، لا أن يُزج في مساحات رمادية تُفقده تعريفه وتُربك صورته.
المشكلة لم تعد في توصيف الخارج، بل في سلوك الداخل حين تُستخدم بعض تشكيلات الحشد في سياقات سياسية، أو تُدفع عناصره إلى ساحات التظاهر والضغط السياسي، فإن ذلك لا يسيء فقط إلى المؤسسة، بل يعيد تشكيل صورتها دوليًا كجزء من “الفصائل”، لا كجزء من “الدولة” وهذا الخلل في التموضع هو ما فتح الباب أمام قراءات دولية تعتبر أن استهداف الحشد لا يختلف عن استهداف أي تشكيل غير نظامي، وهو أمر بالغ الخطورة على مفهوم السيادة العراقية.
الحشد، في جوهره، قوة احتياط رسمية، أقرب في بنيتها إلى نماذج معروفة عالميًا كالحرس الوطني في الولايات المتحدة، لكنه يفقد هذه الميزة حين يُخلط دوره الأمني بوظائف سياسية أو صراعات داخلية فالمقاتل الذي يفترض أن يكون في جبهة الدفاع عن الدولة، لا يمكن أن يتحول إلى أداة في نزاع سياسي أو وسيلة ضغط في معادلات داخلية.
وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بصراحة لا تزجّوا بأولادنا، بالحشداويين الأشاوس، إلى الموت من أجل إشباع رغبات سياسية أو تسجيل نقاط في صراع داخلي هؤلاء لم يحملوا السلاح ليكونوا وقودًا لمشاريع متضاربة، بل حملوه دفاعًا عن العراق وسيادته وكرامته إن دماءهم ليست أداة تفاوض، ولا ورقة ضغط، ولا مادة للاستهلاك السياسي.
إن تحميل المسؤولية هنا لا يقع على طرف واحد، بل هو نتاج تراكم أخطاء مشتركة قادة فصائل لم يفصلوا بين المسارين، وسياسيون استثمروا في هذه القوة خارج إطارها الرسمي، ما أدى إلى تشويش عميق في البنية الذهنية للمؤسسة نفسها، وفي طريقة إدراكها من قبل المجتمع الدولي.
وإذا كان لا بد من مصارحة أشد فإن المسؤولية السياسية وخصوصًا لدى القوى التي تولّت إدارة الدولة بعد عام 2003، تفرض عليها أن تكون أكثر وعيًا لا أكثر اندفاعًا لقد أُدير هذا البلد بدماء شهداء على مدى سنوات طويلة، فلا يجوز أن يتحول هذا الإرث إلى مساحة غرور أو تنازع لا يأخذكم الغرور ولا تغرقوا السفينة التي تحمل الجميع.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الخلط يفتح الباب أمام استهداف مؤسسات الدولة تحت ذرائع مختلفة. فحين تُقصف مواقع أو تُستهدف أجهزة أمنية سيادية كجهاز المخابرات أو المطارات فإننا لا نكون أمام “رسائل” أو “ردود أفعال”، بل أمام كسر واضح لقواعد الدولة وانزلاق نحو منطق الفوضى الذي لا يمكن تبريره تحت أي عنوان حتى لو كان عنوان “المقاومة” فمشروع الدولة لا يمكن أن يتعايش مع مشروع موازٍ يملك قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.
وعليه، فإن المطلوب اليوم واضح وصريح إبعاد الحشد عن الفصائل وإعادته إلى موقعه الطبيعي ضمن المنظومة الرسمية للدولة هذا ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من توازن الدولة وهيبتها.
من هنا، يصبح لزامًا أن تتحرك الدولة العراقية على أكثر من مستوى دبلوماسيًا، عبر وزارة الخارجية، لتثبيت حقيقة أن الحشد مؤسسة رسمية لا يجوز التعامل معها ككيان خارج الدولة سياسيًا، عبر لجنة العلاقات الخارجية والقيادات الوطنية، لإعادة ضبط الخطاب والفعل داخل الساحة الداخلية وأمنيًا، عبر مستشارية الأمن القومي، لضمان عدم تكرار أي خروقات تمس هيبة الدولة أو تضعف بنيتها.
إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس بيانات متفرقة بالتنديد، بل موقف وطني موحد يعيد رسم الخطوط بوضوح الحشد جزء من الدولة، وليس أداة في يد السياسة والسلاح يجب أن يبقى تحت مظلة القرار السيادي، لا أن يتحول إلى وسيلة ضغط أو تصفية حسابات.
وأخيرًا، يجب أن تُحسم الأولويات دون تردد أمن العراق أهم من أمن أي دولة أخرى، واستقرار الداخل لا يمكن أن يكون رهينة لأي صراع خارجي أو حسابات إقليمية العراق ليس ساحة، بل دولة… ومن يريده غير ذلك، إنما يدفعه نحو المجهول.
لقد آن الأوان أن تُوضع كل نقطة على حرفها فالدول لا تُبنى بالتداخل، بل بالفصل الواضح بين المؤسسات والأدوار وأي استمرار في هذا الخلط لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاستهداف، ومزيد من إضعاف صورة العراق كدولة ذات سيادة.
العراق أكبر من كل المشاريع الضيقة وأجهزته الأمنية ليست موضع تخوين أو مساومة، بل هي العمود الفقري لكيان الدولة ومن يحترم هذا الكيان، عليه أن يحترم قواعده… دون استثناء.







