حرية
لم تعد المخاطر في مضيق هرمز تقتصر على الصواريخ والزوارق الحربية، بل امتدت لتشمل نوعاً جديداً من التهديدات: الاحتيال المنظم. ففي خضم التصعيد العسكري والاضطراب الملاحي، برزت عمليات نصب تستهدف شركات الشحن، مستغلة حالة الفوضى التي تعصف بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
تحذير شركة ماريسكس لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على تحوّل خطير في طبيعة المخاطر. رسائل مجهولة المصدر، تدّعي تمثيل جهات إيرانية، تعرض على السفن “مروراً آمناً” مقابل دفع رسوم بالعملات المشفرة. عرض يبدو مغرياً في ظل التهديدات، لكنه في الحقيقة فخ رقمي يستهدف سفناً عالقة تبحث عن مخرج بأي ثمن.
هذه الظاهرة تعكس وجهاً جديداً لما يمكن تسميته “اقتصاد الفوضى”، حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية إلى فرص لشبكات احتيال عابرة للحدود. ومع وجود مئات السفن ونحو 20 ألف بحار عالقين في الخليج، يصبح الضغط النفسي والتجاري أرضاً خصبة لمثل هذه العمليات.
الأزمة لا تنفصل عن السياق الأوسع. فالمضيق الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز، بات اليوم ساحة مفتوحة للتوتر العسكري والإجراءات المتبادلة. بين إغلاق وفتح مشروط، وعمليات تفتيش، وحوادث إطلاق نار على سفن، أصبحت الملاحة فيه محفوفة بالمخاطر إلى حد غير مسبوق.
في هذا المشهد المضطرب، لم تعد شركات الشحن تواجه فقط تهديدات تقليدية كالهجمات أو الألغام، بل باتت عرضة أيضاً لحرب من نوع آخر: حرب المعلومات والخداع. فالمحتالون لا يحتاجون إلى أسلحة، بل إلى رسالة مقنعة تُرسل في توقيت مناسب، وسفينة يائسة تبحث عن النجاة.
الأخطر أن هذه العمليات قد تؤدي إلى تعقيد الأزمة أكثر، إذ يمكن أن تدفع بعض السفن لاتخاذ قرارات خاطئة بناءً على معلومات مضللة، ما يزيد من احتمالات التصعيد أو الحوادث البحرية.
ورغم نفي إيران أي صلة رسمية بهذه الرسائل، وغياب تأكيدات مستقلة حول الجهات المسؤولة، فإن الظاهرة بحد ذاتها تكشف عن هشاشة البيئة الأمنية في الممرات الحيوية خلال أوقات النزاع.
ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يتجاوز كونه أزمة عسكرية أو اقتصادية، ليصبح نموذجاً مصغراً لعالم تتداخل فيه الحروب التقليدية مع التهديدات غير المرئية. فبينما تتبادل الدول الرسائل بالنار، تتسلل جهات أخرى عبر الفضاء الرقمي، مستفيدة من الفوضى لتحقيق مكاسب سريعة.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال كيف تعبر السفن المضيق فقط، بل كيف تميّز أيضاً بين الخطر الحقيقي والوهم المصمم باحتراف.







