توفيق السيف
هذه مراجعة للجدل الذي أثاره إعلان جامعة الرياض للفنون، اعتماد الإنجليزية لغة تدريس. وشارك في الجدل عدد من أبرز المثقفين وأهل الرأي والفن في المملكة العربية السعودية.
لقد أوضحت في مقالات سابقة أنني مؤيد لتعريب التعليم العالي. وأعني تحديداً مجالات العلوم والطب والهندسة، فضلاً عن العلوم الإنسانية. وقد أوضحت مبررات رأيي بما يغني عن الإعادة.
سأخصص هذه الكتابة لتوضيح الأسئلة التي يدور حولها النقاش الجديد. طمعاً في تعميق النقاش.
البداية فرضية فحواها أن الإبداع الفني يولد من غوص الفنان في التجربة الحياتية لبيئته الاجتماعية، واكتشاف كيفية انعكاس الظرف الطبيعي على تفكير البشر وتطلعاتهم وعلاقاتهم الداخلية.
تتحول تلك الأفكار إلى صور متخيلة ورموز، يعيد الفنان رسمها في صورة مشهد، كما يفعل الشاعر حين يعيد إنتاج حادثة أو فكرة في صورة قصيدة، توصل المعنى من دون أن تغرق في تفاصيل ما حدث فعلاً.
الفن – بهذا المعنى – انعكاس لحقيقة الحياة، مختصر في المساحة، لكنه مكثف في الترميز، مغرق في التخييل، من دون أن يفارق دائرة المعنى المراد إيصاله للمتلقي.
الذين عارضوا تدريس الفنون بلغة أجنبية، يحتجون بأن إعادة إنتاج الفكرة والمعنى في قوالب فنية إبداعية، عملية فكرية معقدة، مشروطة بتعمق المبدع في ثقافة المكان، وانغماسه في تفاصيله. ونعلم أن الثقافة تتأثر بعمق، بأوعية التعبير عن المعاني، والأحاسيس التي ترافق التجربة الثقافية، قبل أن تأخذ شكلها النهائي على أنها مفهوم أو عرف أو قيمة مستقرة. وعاء التعبير، أي اللغة، يشكل إطاراً للمعنى والتجربة، فيضع حدوداً على بعض عناصرها ويطلق البعض الآخر بعيداً عن المركز.
التعبير الفني سلسلة طويلة، منطلقها تجربة الحياة، ثم التأمل في تفاصيلها ومعانيها، ثم تحويلها إلى مشاهد متخيلة ورموز ذات دلالات قوية، ثم عرضها على الناس باعتبارها قناة تفاعلية تصل المتلقي بالمشهد وما وراءه من تجربة. هذه السلسلة الطويلة عبارة عن تأملات متداخلة، تشكل اللغة جزءاً محورياً فيها. حين يفكر الإنسان، فإن ذهنه يلاحق الخط الدلالي الذي تنشئه اللغة أو تسمح به. ومن هنا قيل إن الإبداع بلغة أجنبية عسير جداً، إلا لشخص ذائب في ثقافتها. يتجلى هذا العسر في مرحلة التصنيع، لحظة استيعاب التجربة وتكوين المعنى والرمز، حيث يتأمل المبدع في صور جرى تثبيتها في نماذج لغوية، وليس تجريدات قائمة بذاتها. لذا يصعب على الأجنبي استيعاب المعاني العميقة، التي ترتبط بها تلك الصور والرموز، أو إنتاج معان جديدة بالاعتماد عليها.
أما من يؤيد اعتماد اللغات الأجنبية، فيحتج بأن الفنون الحديثة، تطورت في الإطار المعرفي الغربي، ولم يساهم فيها العرب إلا عرضياً. من الرواية إلى الأداء والتصوير أو التشكيل وطريقة التعبير عن المعنى؛ كلها نشأت في ذلك الإطار. ولذا فالمكتبة التي يحتاجها دارس الفن، مكتبة إنجليزية.
تعزيزاً لهذا الرأي، أقترح الفصل بين مستويين من الحرف الفنية: الأداء الفني، والإبداع الفني. انظر للممثلين أو الرسامين المبدعين أو الشعراء والروائيين المشهورين: لن تجد إلا عدداً قليلاً جداً في كل بلد. أما الذين يؤدون الأعمال الفنية، سواء أكان الممثلين أو الرسامين أو كتاب الروايات أو منتجي ومخرجي الدراما، فهم بالمئات. في مصر مثلاً يعمل آلاف عدة في المجالات الفنية المختلفة، لكنك لا تسمع إلا بعشرين أو ثلاثين مبدعاً. كذلك الحال في سوريا والخليج والعراق، بل حتى البلدان العريقة في هذه المجالات، حيث لا تشكل الأسماء البارزة سوى واحد أو اثنين في المائة من العاملين في الحقل الفني.
ليست مهمة جامعة الفنون أن «تصنع» مبدعين، بل ممارسين. أما المبدع فموهبته سابقة للجامعة، ودور الجامعة هو تعميق معرفته وصقل خبراته وتحديد المدرسة التي يقتفي أثرها. هذا تماماً ما يحصل في كليات الطب والهندسة، التي لا تخرّج علماء، بل ممارسين، يبذل بعضهم جهوداً إضافية حتى يبلغ المستوى الرفيع المتمثل في نقد العلم وإنتاج العلم.
من هنا لا ينبغي أن نفكر في الجامعة بصفتها مكاناً لصنع العلماء بل لصنع طواقم الأعمال الفنية، التي ستكون بمثابة البيئة أو البحر الذي يحتاجه المبدعون كي يحولوا تطلعاتهم إلى منتجات إبداعية.







