حرية
تحمل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية ولقاؤه المنتظر مع الزعيم كيم جونغ أون، أبعاداً استراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين بكين وبيونغ يانغ، لتشمل ملفات إقليمية ودولية معقدة تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وروسيا والتوازنات الأمنية في شرق آسيا.
ويرى مراقبون أن الزيارة تأتي في إطار تحرك صيني أوسع لإعادة تثبيت موقع بكين كلاعب محوري في إدارة الأزمات الدولية، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة في شبه الجزيرة الكورية، والتنافس المتزايد بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ في آسيا.
وبحسب تقديرات مختصين في الشؤون الآسيوية والدولية، فإن أحد أبرز أهداف الزيارة يتمثل في محاولة تقريب وجهات النظر بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، وتهيئة الأجواء لاحتمال عقد قمة جديدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بما يسمح للصين بتقديم نفسها كوسيط لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص أمن المنطقة.
وكانت وكالة “يونهاب” الكورية الجنوبية قد أفادت بأن شي جين بينغ قد يزور بيونغ يانغ مطلع الأسبوع المقبل، في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات التاريخية بين البلدين، فيما أشارت تقارير إلى زيارة فرق أمنية وبروتوكولية صينية للعاصمة الكورية الشمالية خلال الأيام الماضية، من دون تعليق رسمي من بكين.
وتقول الباحثة في الشؤون الصينية والآسيوية، تمارا برو، إن توقيت الزيارة يحمل دلالات مهمة، خصوصاً أنها تأتي بعد قمة شي مع ترامب، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، ما يعكس محاولة بكين إدارة شبكة معقدة من التوازنات الدولية.
وأضافت برو أن ملف كوريا الشمالية كان من أبرز القضايا التي ناقشها ترامب مع شي، مرجحة أن يسعى الرئيس الصيني إلى لعب دور الوسيط بين واشنطن وبيونغ يانغ، في ظل رغبة أمريكية بفتح قنوات حوار جديدة مع كوريا الشمالية لتخفيف التوترات الأمنية في المنطقة.
وأشارت إلى أن الصين تبدي قلقاً متزايداً من تنامي التقارب العسكري والسياسي بين كوريا الشمالية وروسيا، وهو ما يدفع بكين إلى تعزيز حضورها المباشر في بيونغ يانغ للحفاظ على نفوذها التقليدي هناك ومنع تحول كوريا الشمالية إلى مساحة نفوذ روسية متقدمة.
وبحسب برو، فإن الصين تحاول أيضاً تعزيز صورتها كقوة دبلوماسية قادرة على إدارة الأزمات الدولية، خاصة بعد تحركاتها الأخيرة المتعلقة بأزمة مضيق هرمز ومساعيها المشتركة مع باكستان لاحتواء التوترات الإقليمية.
من جهته، يرى الباحث في الشؤون الصينية سامر خير أحمد أن الزيارة تمثل رسالة سياسية واضحة من بكين بأنها لاعب دولي مركزي لا يتحرك وفق منطق الأحلاف التقليدية، بل وفق شبكة مصالح واستراتيجيات مرنة.
وأوضح أن شي يسعى، من خلال سلسلة اللقاءات التي جمعته بترامب وبوتين والآن كيم، إلى تأكيد قدرة الصين على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية المتنافسة، بما يعزز موقعها كقوة قادرة على إدارة التوازنات العالمية.
وأضاف أن بكين تريد إيصال رسالة مفادها أنها تمتلك نفوذاً فعلياً على كوريا الشمالية، وأنها قادرة على لعب دور الضامن لأي تفاهمات مستقبلية بين بيونغ يانغ وواشنطن، فضلاً عن دورها في ضبط العلاقة بين روسيا وكوريا الشمالية.
ويرى مراقبون أن الصين تحاول من خلال هذه التحركات تكريس نفسها كقوة ضامنة للاستقرار في شرق آسيا، في وقت يتصاعد فيه الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، وتزداد المخاوف من تحولات أمنية قد تدفع نحو سباق نفوذ جديد في المحيط الهادئ.
ورغم ارتباط الزيارة بالملف الكوري بالدرجة الأولى، فإنها تعكس أيضاً رؤية صينية أوسع لعالم متعدد الأقطاب، تسعى فيه بكين إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني، وتقديم نفسها كقوة قادرة على التأثير في أكثر الملفات الدولية حساسية وتعقيداً.







