حرية
كشفت مصادر دبلوماسية غربية أن دولاً أوروبية نقلت إلى الولايات المتحدة ملفات سرية تتضمن معلومات تفصيلية عن كيانات اقتصادية ورجال أعمال إيرانيين، ومسارات أنشطتهم المالية والتجارية، في خطوة قد تمنح واشنطن قدرة أكبر على تفكيك شبكات الالتفاف على العقوبات وتشديد القيود على جهات لم تشملها العقوبات الأميركية سابقاً.
وبحسب المصادر، وصلت المعلومات إلى جهات أميركية مختصة، وفي مقدمتها وزارة الخزانة، وتضمنت بيانات عن أجزاء من الشبكة المالية الإيرانية خارج البلاد، جُمعت عبر مؤسسات وأجهزة مالية وأمنية واستخباراتية أوروبية في عدد من الدول، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا.
وجرى تبادل هذه المعلومات بعيداً عن الأضواء، بهدف حماية مصادرها وطرق جمعها، فضلاً عن منع الشركات والأفراد المستهدفين من معرفة تفاصيل التحقيقات وإعادة ترتيب ملكياتهم أو نقل أموالهم وأصولهم قبل اتخاذ أي إجراءات بحقهم.
شركات واجهة وملكية مخفية
وتشير المعلومات، وفق المصادر، إلى وجود هياكل تجارية معقدة تستخدم لإخفاء المستفيدين الحقيقيين من شركات يملك فيها رجال أعمال إيرانيون وأشخاص من جنسيات أخرى حصصاً مباشرة أو غير مباشرة، مع وجود صلات لبعضهم بالحرس الثوري الإيراني.
وتعمل بعض هذه الشركات بصورة معلنة في قطاعات تجارية متنوعة، من بينها السيارات والأدوات المنزلية والإلكترونيات والمواد الغذائية والبن والتوابل، بينما يُشتبه باستخدام هياكلها المالية والتجارية لتسهيل أنشطة مرتبطة بإيران، بما في ذلك تجارة النفط خارج القنوات التقليدية.
وتتركز بعض المكاتب الإدارية والمالية لهذه الشركات، بحسب المصادر، في دول ومناطق متعددة، بينها لوكسمبورغ وقبرص وألبانيا والهند وسنغافورة والبرازيل، إضافة إلى دول في غرب أفريقيا وجزر في منطقة الكاريبي.
تتبع الأموال والحسابات
وقال دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى مطلع على ملف العقوبات الإيرانية لـ«إرم نيوز» إن أجهزة استخبارات أوروبية سلمت واشنطن معلومات تتعلق بحسابات وشركات ورجال أعمال سبق أن خضع بعضهم لعقوبات أوروبية، بعد رصد روابط مالية وتجارية مع شركات ومكاتب واجهة مرتبطة بتصدير النفط أو بتوفير معدات يمكن أن تدخل في تطوير قدرات عسكرية، بينها الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأضاف أن المعلومات جاءت نتيجة تحقيقات أمنية واقتصادية واستخباراتية أوروبية، وشملت مسارات مالية وتجارية قادت في مراحل سابقة إلى فرض عقوبات على كيانات إيرانية أو جهات مرتبطة بطهران.
وتكتسب هذه المعلومات أهميتها من قدرتها، في حال التحقق منها واستخدامها قانونياً، على منح واشنطن صورة أوسع عن الطبقات غير المرئية من الشبكة المالية الإيرانية، بما قد يساعدها على إعداد ملفات جديدة لفرض عقوبات إضافية.
وتشير بعض البيانات إلى وجود تحويلات مالية متعددة المراحل، بينها إيرادات مرتبطة بصفقات نفطية، جرى تمريرها بعملات مختلفة عبر مؤسسات مالية في آسيا ومنطقة الكاريبي، قبل وصول أجزاء منها بالدولار إلى شركات أو أشخاص يُعتقد بارتباطهم بالنظام الإيراني.
لعبة تغيير الملكيات
وتكشف التحقيقات الأوروبية، بحسب المصدر، عن استخدام سلسلة من الوسطاء والوكلاء وتغييرات متكررة في أسماء المساهمين وهياكل الملكية، بهدف إخفاء المستفيد الحقيقي من الشركات وصعوبة الوصول إلى أصحاب المصالح الفعليين.
وتشكل هذه الأساليب تحدياً كبيراً أمام أجهزة إنفاذ القانون، خصوصاً في القضايا المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الأنشطة الخاضعة للعقوبات.
وتأتي هذه المعلومات في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون تشديد العقوبات على إيران، مستهدفين قطاعات تشمل النفط والصواريخ والبرنامج النووي والقدرات الإلكترونية، إلى جانب فرض بريطانيا والاتحاد الأوروبي وسويسرا عقوبات مرتبطة بملفات مختلفة تتعلق بإيران.
واشنطن تستهدف طرق الالتفاف
لم تعد المعركة الاقتصادية بين إيران والغرب تتركز على الشركات الإيرانية المعروفة فقط، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً يتمثل في البحث عن الوسطاء والشركات الوهمية والحسابات المصرفية التي تسمح للتجارة الإيرانية بالوصول إلى الأسواق الدولية رغم العقوبات.
ويرى خبراء أن نجاح واشنطن في استغلال المعلومات الأوروبية سيكون مرتبطاً بقدرتها على تحويل البيانات الاستخبارية إلى أدلة قابلة للاستخدام في إجراءات العقوبات والملاحقات المالية، وليس بمجرد امتلاك معلومات عن أسماء وشركات.
كما أن التعاون بين المؤسسات الأوروبية والأميركية قد يعزز قدرة واشنطن على تطبيق العقوبات الثانوية، التي تضغط على الشركات والمؤسسات غير الإيرانية للاختيار بين التعامل مع جهات مرتبطة بطهران أو الحفاظ على إمكانية الوصول إلى السوق والنظام المالي الأميركي.
تعاون أوروبي بحسابات دقيقة
ورغم التعاون بين الجانبين، لا يبدو أن العواصم الأوروبية ترغب في الانخراط الكامل في كل التحركات الأميركية تجاه إيران، خصوصاً في ظل التغيرات المتكررة في سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وهذا يعني أن أوروبا قد تفضل في هذه المرحلة تبادل المعلومات والتنسيق الاستخباري والمالي، مع الاحتفاظ بمسافة سياسية تسمح لها بالتعامل مع أي تغير محتمل في السياسة الأميركية تجاه طهران.
المعركة تنتقل من العقوبات إلى مطاردة «العصب المالي»
تكشف هذه التطورات أن المواجهة بين واشنطن وطهران دخلت مرحلة أكثر تعقيداً؛ فالعقوبات التقليدية التي تستهدف شركات النفط أو الشخصيات المعروفة لم تعد كافية وحدها، بعدما طورت إيران وشبكاتها الخارجية أساليب متعددة لإخفاء الملكية وتغيير أسماء الشركات وتحويل الأموال عبر دول ومؤسسات وسيطة.
وإذا صحت المعلومات بشأن تسليم الملفات الأوروبية إلى واشنطن، فإن أهميتها لا تكمن في عدد الأسماء التي قد ترد فيها، وإنما في كشف الروابط بين الشركات والحسابات والأشخاص والمستفيدين الحقيقيين.
وقد يؤدي ذلك إلى انتقال الضغط الأميركي من سياسة استهداف الكيانات المعروفة إلى محاولة ضرب البنية التحتية المالية التي تسمح لإيران بمواصلة تجارتها الخارجية وتمويل أنشطتها رغم العقوبات.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى مرهوناً بقدرة واشنطن على إثبات الروابط المالية قانونياً، وبمدى استعداد الدول التي توجد فيها هذه الشركات والحسابات للتعاون مع الإجراءات الأميركية. وفي المقابل، من المرجح أن تدفع هذه الضغوط طهران إلى تطوير وسائل أكثر تعقيداً لإخفاء أصولها وشبكاتها التجارية، ما يجعل الصراع المالي والاستخباري جزءاً متزايد الأهمية من المواجهة بين إيران والغرب.







