حرية – 14/7/2026
بقلم: أحمد الحمداني
في عالم السياسة لا تقاس هيبة الدول بما يقال في المؤتمرات الصحفية فقط بل بالطريقة التي تقدم بها نفسها أمام العالم فالمشهد الرسمي والانضباط البروتوكولي وحضور المسؤولين واحترام تفاصيل المراسم كلها عناصر ترسم صورة الدولة وتؤثر في مكانتها الدولية.
زيارة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى البيت الأبيض قدمت نموذجا واضحا لهذا المفهوم فقد ظهر العراق بصورة واثقة ومنظمة تعكس دولة تعرف كيف تدير حضورها في أهم المحافل الدولية ولم يكن ذلك وليد الصدفة بل نتيجة عمل مؤسساتي دقيق يقف خلفه رجال يدركون أن نجاح التفاصيل هو الذي يصنع نجاح الصورة الكاملة.
وفي مقدمة هؤلاء يأتي حسنين الشيخ مديرعام مراسم رئاسة مجلس الوزراء الذي نجح في إدارة الجانب البروتوكولي للزيارة بكفاءة عالية. فالمراسم ليست عملا شكليا كما يعتقد البعض وإنما هي علم وفن ورسالة سياسية صامتة تعكس احترام الدولة لنفسها قبل أن تعكس احترام الآخرين لها وكلما كانت المراسم أكثر انضباطا كانت هيبة الدولة أكثر حضورا.
وفي المقابل لعب رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي دورا مهما في تعزيز هذه الصورة من خلال حضوره الهادئ وثقته في اللقاءات واحترامه للأصول الدبلوماسية وطريقة تعامله التي عكست شخصية رجل دولة يدرك أنه لا يمثل حكومة فحسب بل يمثل العراق بكل تاريخه ومكانته.
هذا المشهد أعاد إلى الأذهان جانبا من الصورة التي رسمتها حكومة مصطفى الكاظمي في علاقاتها الخارجية حين كان الحرص واضحا على أن يظهر العراق دولة محترمة تمتلك قرارها وتتعامل مع العالم بثقة واتزان بما يعزز هيبة الدولة ويعيد الاعتبار لمؤسساتها وليس المقصود هنا إجراء مقارنة سياسية بين الحكومات وإنما الإشارة إلى أهمية الأداء الرسمي الذي ينعكس مباشرة على صورة العراق في الخارج إن هيبة الدولة لا تبنى بالشعارات فقط بل بالممارسة اليومية وبالانضباط، وبالقدرة على إدارة كل تفصيل مهما كانت صغيرة فمن طريقة استقبال الوفود إلى حركة المسؤولين إلى لغة الجسد إلى احترام البروتوكول كلها رسائل يفهمها العالم جيدا وقد تكون أبلغ بكثير من الكلمات.
العراق اليوم بحاجة إلى ترسيخ هذا النهج لأن استعادة مكانته الدولية لا تتحقق بالقرارات وحدها بل أيضا بإظهار مؤسساته بصورة تليق باسمه وتاريخه وعندما يجتمع الأداء المهني لمسؤول المراسم مع حضور رئيس الوزراء فإن النتيجة تكون مشهدا يعيد الثقة بالدولة ويعزز احترامها لقد أثبتت هذه الزيارة أن العراق يمتلك من الكفاءات ما يمكنه من تقديم نفسه بالصورة التي يستحقها وأن الاستثمار في المراسم والبروتوكول ليس ترفا بل جزء من بناء هيبة الدولة وما بين تجربة مصطفى الكاظمي في تقديم صورة العراق خارجيا وحضور علي الزيدي في هذه الزيارة والدور المهني الذي أداه حسنين الشيخ في إدارة المراسم تتشكل معادلة تستحق أن تستمر لأنها تعيد للعراق ما يحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى وهو هيبة الدولة واحترامها في الداخل والخارج.
وإذا كانت الحكومات تقاس بقراراتها وإنجازاتها فإنها تقاس أيضا بالطريقة التي تمثل بها الدولة أمام العالم فهناك مسؤولون يعملون تحت الأضواء وآخرون يعملون خلف الكواليس لكن أثرهم لا يقل أهمية في صناعة صورة الدولة العراقية وهيبتها ومن هذا المنطلق فإن ما قدمه حسنين الشيخ إلى جانب الأداء الواثق لرئيس مجلس الوزراء علي الزيدي يعكس فهما حقيقيا لمعنى الدولة ومؤسساتها ولعل ما يلفت الانتباه أن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان مرحلة حكومة مصطفى الكاظمي التي أولت اهتماما كبيرا بصورة العراق الخارجية وحرصت على أن يكون حضور المسؤول العراقي في المحافل الدولية بمستوى يليق بتاريخ العراق ومكانته واليوم، يظهر علي الزيدي وهو يسير بالاتجاه ذاته في احترام البروتوكول وإظهار الدولة بمظهرها اللائق وهو أمر لا يخدم شخص رئيس الوزراء وإنما يخدم سمعة جمهورية العراق ومكانته بين الدول.
إن الدول لا تستعيد هيبتها بالخطابات وحدها بل بمنظومة عمل متكاملة تبدأ من احترام المؤسسة وتمر عبر الالتزام بأصول الدولة وتنتهي بصورة مشرقة يراها العالم وكلما كان المسؤول العراقي حاضرا بثقة وكانت المراسم تدار باحتراف ازدادت قناعة المجتمع الدولي بأن العراق عاد ليكون دولة مؤسسات تعرف كيف تمثل نفسها وتدافع عن مكانتها.
ولهذا فإن الإشادة بالأداء المهني لا ينبغي أن تفسر على أنها مجاملة للأشخاص بل هي تقدير لكل جهد يعزز مكانة الوطن “العراق” فحين تنجح مؤسسة المراسم في أداء واجبها وحين يقدم رئيس الوزراء صورة متزنة وواثقة فإن الرابح الحقيقي هو العراق وهيبته واحترامه في أعين العالم شكراً علي الزيدي شكراً حسنين شكراً للشراكة القادمة الحقيقية لبناء العراق.






