حرية
منذ تسلمه رئاسة الحكومة العراقية في أيار 2026، يحاول رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي تقديم نموذج مختلف في إدارة الدولة، يقوم على التهدئة السياسية والانفتاح الاقتصادي ومحاولة بناء توازنات داخلية وخارجية أقل صداماً، في وقت يواجه فيه العراق واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ سنوات، على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
الزيدي، القادم من عالم الأعمال والاستثمار والقطاع المصرفي، لم يصل إلى المنصب عبر المسار الحزبي التقليدي الذي سلكه معظم رؤساء الحكومات بعد عام 2003، بل جاء نتيجة تسوية سياسية داخل قوى الإطار التنسيقي، بعد أشهر من الخلافات حول شكل الحكومة المقبلة وهوية رئيسها، ليُطرح اسمه باعتباره شخصية قادرة على إدارة التوازنات وامتصاص التوترات الداخلية والخارجية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع الإيرادات النفطية والتوترات الإقليمية المتصاعدة.
ويُنظر إلى الزيدي بوصفه أحد أصغر رؤساء الحكومات العراقية سناً، إذ يمتلك خلفية قانونية ومالية واقتصادية، إضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات في القطاع الخاص والاستثماري، حيث ارتبط اسمه بعدد من المشاريع والشركات والمؤسسات المصرفية والتعليمية والإعلامية، الأمر الذي دفع مؤيديه إلى تقديمه كرجل “إدارة وتنفيذ” أكثر من كونه سياسياً تقليدياً.
ومنذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، حاول الزيدي إرسال رسائل تهدئة إلى مختلف القوى السياسية والمكونات العراقية، واضعاً في مقدمة أولوياته إعادة ضبط العلاقة بين بغداد وأربيل، وهي واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في العراق خلال السنوات الماضية، بسبب الخلافات المتعلقة بالنفط والغاز والرواتب والمنافذ الحدودية والصلاحيات الدستورية.
وخلال استقباله رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني في بغداد، شدد الزيدي على أن “الجميع شركاء في هذا الوطن”، مؤكداً أن هدف حكومته هو “حل المشاكل والتوصل إلى اتفاقات تخدم جميع المواطنين والمكونات دون تمييز”، في مؤشر واضح على توجه حكومي جديد نحو تخفيف حدة التصعيد السياسي بين الجانبين.
كما شهدت الزيارة سلسلة اجتماعات مع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، جرى خلالها التأكيد على احترام الدستور والنظام الاتحادي وضرورة معالجة القضايا العالقة بين بغداد وأربيل عبر الحوار والمؤسسات الدستورية، بعيداً عن لغة التصعيد السياسي والإعلامي.
وعلى المستوى التنفيذي، بدأت حكومة الزيدي بإطلاق حزمة من القرارات والإجراءات التي اعتبرتها “مرحلة إصلاح إداري واقتصادي”، في محاولة لمعالجة التحديات المتراكمة التي تواجه مؤسسات الدولة العراقية.
ومن أبرز القرارات والتحركات التي اتخذتها الحكومة حتى الآن:
إطلاق مراجعة شاملة للإنفاق الحكومي والملفات المالية داخل الوزارات والمؤسسات.
توجيه وزارة المالية بتعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على النفط.
البدء بإعادة تقييم عقود بعض المشاريع الكبرى والملفات الاستثمارية.
فتح قنوات تفاهم مباشرة مع حكومة إقليم كوردستان بشأن النفط والمنافذ والرواتب.
تفعيل التنسيق الفني بين بغداد وأربيل حول نظام “الأسيكودا” للمنافذ الحدودية.
توجيه الأجهزة الأمنية بتشديد الرقابة على الحدود ومنع عمليات التهريب.
إعادة ترتيب أولويات الحكومة باتجاه الخدمات والبنى التحتية والكهرباء.
دعم توجهات الانفتاح على القطاع الخاص والاستثمار الخارجي.
إطلاق مراجعات إدارية داخل عدد من الهيئات والدوائر الحكومية.
التشديد على ملف مكافحة الفساد وملاحقة شبكات الهدر المالي والإداري.
وفي الملف الاقتصادي، يواجه الزيدي تحدياً بالغ الحساسية يتمثل في التراجع المستمر بأسعار النفط وتقلبات السوق العالمية، خاصة مع انخفاض الصادرات العراقية إلى بعض الأسواق الرئيسية ومنها الولايات المتحدة، إلى جانب استمرار اعتماد الموازنة العراقية بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.
وتسعى حكومته إلى تقديم خطاب اقتصادي جديد يقوم على تنشيط القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتطوير البيئة المصرفية والخدماتية، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بخلفيته الاقتصادية والاستثمارية، إلا أن نجاح هذه الرؤية يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على مواجهة البيروقراطية والفساد والتشابكات السياسية داخل مؤسسات الدولة.
أما في الملف الأمني، فيواجه الزيدي بيئة إقليمية شديدة التعقيد، خصوصاً مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية، إلى جانب التحديات الداخلية المتعلقة بالسلاح المنفلت والفصائل والتوازنات الأمنية الحساسة داخل العراق.
ورغم أن الحكومة الجديدة ما تزال في بداياتها، إلا أن المراقبين يرون أن الزيدي يحاول تقديم نفسه بوصفه رئيس حكومة “الاستقرار والتفاهمات”، لا رئيس حكومة الصدامات السياسية، مع التركيز على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وفتح قنوات تفاهم مع مختلف القوى السياسية والإقليمية.
لكن في المقابل، يواجه الزيدي تساؤلات وضغوطاً متزايدة بشأن قدرته الفعلية على تنفيذ الإصلاحات، خصوصاً أن التجارب الحكومية السابقة في العراق اصطدمت غالباً بتعقيدات النظام السياسي وتشابك المصالح الحزبية والاقتصادية والأمنية.
ويرى مراقبون أن نجاح رئيس الوزراء الجديد لن يُقاس فقط بقدرته على إدارة الأزمات اليومية، بل بمدى تمكنه من تحويل التفاهمات السياسية إلى قرارات تنفيذية ملموسة، وتحقيق اختراقات حقيقية في ملفات الاقتصاد والخدمات والعلاقة بين بغداد وأربيل، وهي الملفات التي ستحدد مستقبل حكومته خلال المرحلة المقبلة.







