حرية– خاص
لم تعد المخدرات في العراق مجرد جريمة ترتبط بمروج صغير أو مهرب يعبر الحدود بشحنة ممنوعة. الأرقام الرسمية التي أعلنتها المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 2026 تضع البلاد أمام صورة أكثر خطورة: شبكات محلية ودولية، أموال ضخمة، عمليات عابرة للحدود، ومواجهات مسلحة مع القوات الأمنية.
فخلال عام واحد، جرى ضبط 2 طن و370 كيلوغراماً من المواد المخدرة، فيما بلغ عدد المحكومين 4644 شخصاً، بينهم 69 حكماً بالإعدام و267 حكماً بالسجن المؤبد.
لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تجيب عن السؤال الأصعب:
من يقف في أعلى هرم هذه التجارة؟
358 شبكة.. هل نحن أمام اقتصاد موازٍ؟
تفكيك 304 شبكات محلية و54 شبكة دولية خلال عام واحد يعني أن تجارة المخدرات تمتلك بنية أكثر تعقيداً من مجرد عمليات فردية.
الشبكة تحتاج إلى تمويل، والتمويل يحتاج إلى مصادر، والشحنة تحتاج إلى طريق، والطريق يحتاج إلى وسطاء، ثم تأتي مرحلة التخزين والتوزيع والترويج وغسل الأرباح.
وبالتالي فإن الوصول إلى المروج الأخير لا يعني بالضرورة الوصول إلى العقل المدبر.
وهنا يجب أن تتغير زاوية النظر الأمنية من:
من كان يحمل المخدرات؟
إلى:
من دفع ثمنها؟ ومن استلم الأموال؟ ومن وفر الطريق؟ ومن يحمي الشبكة؟ ومن يملك القدرة على إعادة تشغيلها بعد سقوط عناصرها؟
المخدرات تدخل من الحدود.. لكن الأموال أين تذهب؟
إذا كانت الأجهزة الأمنية تنجح في مصادرة كميات ضخمة من المخدرات، فإن الوجه الآخر للمعركة يتمثل في تعقب الأموال الناتجة عنها.
فالتجارة غير المشروعة لا تعيش على المخدرات وحدها، وإنما على منظومة مالية قادرة على تحريك الأموال وإخفاء مصادرها وإعادة إدخالها إلى الاقتصاد بصورة تبدو مشروعة.
ولهذا فإن مصادرة المخدرات من دون مصادرة عائداتها قد تعني ضرب جزء من المشكلة وترك الجزء الأكثر قوة يعمل في الظل.
المال هو شريان هذه التجارة، وتجفيفه قد يكون الضربة الأقسى التي يمكن توجيهها إلى الشبكات.
حين يتحول التاجر إلى خصم مسلح
الحصيلة الأمنية تكشف جانباً أكثر خطورة.
فقد شهدت العمليات 32 اشتباكاً مع المتاجرين، أسفرت عن استشهاد منتسب وإصابة 31 آخرين، فيما قتل 3 من التجار وأصيب 23 آخرون.
هذه الأرقام تكشف أن بعض شبكات المخدرات لم تعد تتعامل مع نشاطها بوصفه تجارة سرية فحسب، بل بات لديها استعداد لمقاومة القوات الأمنية بالقوة.
وهنا يصبح الخطر مزدوجاً: مخدرات تهدد المجتمع، وشبكات مستعدة للدفاع عن أرباحها بالسلاح.
21 عملية خارجية.. الحدود لم تعد كافية
تنفيذ 21 عملية خارجية وإصدار 43 مذكرة قبض دولية يوضح أن ملاحقة الشبكات لا يمكن أن تتوقف عند الحدود العراقية.
فالشبكات المنظمة لا تعمل وفق حدود الدولة؛ يمكن أن يكون الممول في بلد، والمهرب في بلد ثانٍ، والشحنة في طريق ثالث، بينما يكون السوق المستهدف داخل العراق.
وهذا يفرض على الأجهزة العراقية تطوير التعاون الاستخباري والمالي والقضائي مع الدول الأخرى، لأن ملاحقة الحلقة الموجودة داخل العراق لن تكون كافية إذا بقيت الحلقة الخارجية تعمل.
4644 محكوماً.. هل السجون تستطيع إنهاء المشكلة؟
صدور أحكام بحق 4644 متهماً، بينها عشرات أحكام الإعدام ومئات الأحكام بالسجن المؤبد، يمثل جانباً مهماً من الردع.
لكن الردع الحقيقي لا يتحقق فقط بكثرة الأحكام.
إذا سقط مروج وظهر آخر، وإذا أُلقي القبض على ناقل واستُبدل بغيره، وإذا صودرت شحنة وعادت شبكة أخرى للعمل، فإن المشكلة ستستمر.
ولهذا فإن النجاح الحقيقي يجب أن يقاس بقدرة الدولة على تفكيك الشبكات من رأسها إلى ذيلها، وليس بعدد الأشخاص الذين وصلت إليهم الشرطة في نهاية السلسلة.
المعركة التي لا تظهر في البيانات
هناك معركة أخرى لا تقل أهمية عن ضبط المخدرات: معركة معرفة حجم السوق.
فكل هذه الشبكات لا يمكن أن تستمر من دون طلب داخلي.
وهذا يعني أن المواجهة الأمنية يجب أن تسير بالتوازي مع الوقاية والعلاج والتأهيل، لأن القضاء على العرض من دون معالجة الطلب يجعل السوق قادراً على إعادة إنتاج نفسه.
الشاب الذي يقع في الإدمان لا يمثل فقط ضحية اجتماعية، وإنما يتحول، بصورة غير مباشرة، إلى جزء من الاقتصاد الذي يمول الشبكات الإجرامية.
السؤال الذي يجب ألا يختفي
الأرقام التي أعلنتها المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية مهمة، لكنها يجب ألا تكون نهاية القصة.
بل يجب أن تكون بدايتها.
فحين تضبط الدولة أكثر من طنين من المخدرات وتفكك 358 شبكة محلية ودولية، فإن السؤال الطبيعي هو:
ما حجم الأموال التي كانت ستدخل السوق لو لم تُضبط هذه الكميات؟
ومن هم أصحاب هذه الأموال؟
وكيف تحركت؟
وأين انتهت؟
ومن يملك القدرة على تمويل شبكات تمتد داخل العراق وخارجه؟
هذه الأسئلة لا تعني توجيه الاتهام إلى أشخاص أو جهات من دون أدلة، لكنها تمثل جوهر المواجهة الحقيقية مع الجريمة المنظمة.
فالمخدرات لا تصل إلى الشارع من تلقاء نفسها، والشبكات لا تعمل بلا تمويل، والأرباح لا تختفي في الهواء.
لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تجفيف منابع المال بقدر ما هي مرحلة مصادرة المخدرات.
وإذا كانت الأجهزة الأمنية قد أثبتت قدرتها على الوصول إلى الشحنات والمروجين والشبكات، فإن الاختبار الأصعب الآن هو الوصول إلى الممولين، ومصادر الأموال، ومسارات غسل العائدات، والقيادات التي تدير هذه التجارة من خلف الستار.
عندها فقط يمكن القول إن العراق لا يطارد المخدرات فحسب، بل بدأ فعلياً تفكيك اقتصاد الجريمة الذي يقف خلفها.
أما إذا بقيت المعركة محصورة في ضبط الشحنات واعتقال المروجين، فستظل السوق قادرة على إنتاج شبكات جديدة مهما بلغ عدد الأحكام الصادرة.
المعركة الحقيقية ليست في آخر السلسلة.. بل في أولها. ومن يمسك بالمال، يمسك بالخيط الذي يقود إلى الإمبراطورية كلها.







