حرية
أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها موسكو ودمشق بشأن مستقبل الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس تمثل خطوة مهمة لتعزيز العلاقات بين البلدين، في وقت تكشف فيه التفاصيل عن صيغة جديدة تسمح لروسيا بالحفاظ على حضور عسكري داخل سوريا، لكن تحت مسمى وترتيبات مختلفة.
وجاء الإعلان الروسي بعد اتفاق توصلت إليه موسكو ودمشق عقب مفاوضات استمرت نحو 18 شهراً، في محاولة لحسم مستقبل القاعدتين اللتين ظل وضعهما غامضاً منذ سقوط نظام بشار الأسد ومغادرته البلاد عام 2024.
وبموجب المذكرة، ستتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.
أما المنشآت العسكرية، فستُعاد صياغة وظيفتها لتتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، في إطار ترتيبات جديدة تقول دمشق وموسكو إنها تحفظ المصالح المتبادلة.
روسيا لا تغادر.. بل تعيد تعريف وجودها
ورغم الحديث عن إعادة تنظيم القواعد، فإن الاتفاق لا يعني انتهاء الوجود الروسي في سوريا.
فمصدر سوري مطلع على بنود المذكرة أفاد بأن القوات الروسية ستظل موجودة داخل مراكز التدريب الجديدة، من دون الكشف عن أعدادها أو طبيعة مهامها المستقبلية.
وهذه النقطة تحديداً تجعل الاتفاق أقرب إلى إعادة صياغة للوجود الروسي وليس انسحاباً روسياً من سوريا.
وتؤكد موسكو ذلك بصورة غير مباشرة، إذ وصفت وزارة خارجيتها الاتفاق بأنه خطوة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، مشيرة إلى أن مذكرة التفاهم ستعطي دفعة جديدة للعلاقات الروسية السورية.
طرطوس.. مفتاح موسكو إلى المتوسط
وتكتسب قاعدة طرطوس أهمية استثنائية بالنسبة إلى روسيا، كونها مركزها البحري الرئيسي في البحر المتوسط، وتوفر لموسكو منفذاً استراتيجياً خارج حدودها يمكن من خلاله دعم انتشارها وتحركاتها العسكرية في المنطقة.
كما استخدمت روسيا الأراضي السورية خلال السنوات الماضية كنقطة ارتكاز لعملياتها ونقل أفراد ومتعاقدين عسكريين من وإلى القارة الأفريقية.
ولهذا فإن التخلي الكامل عن طرطوس كان سيعني خسارة موسكو إحدى أهم أدوات نفوذها في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، فضلاً عن تقليص قدرتها على دعم وجودها في أفريقيا.
حميميم أيضاً تحتفظ بأهميتها
ولا تقل قاعدة حميميم أهمية عن طرطوس، فهي تمثل منصة جوية رئيسية للوجود الروسي في سوريا، وكانت منذ التدخل العسكري الروسي عام 2015 مركزاً أساسياً للعمليات الجوية الروسية.
وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة يسمح لموسكو بالحفاظ على بنية تحتية عسكرية وخبرات بشرية داخل الأراضي السورية، حتى وإن تغيرت الصفة القانونية أو الوظيفية لهذه المنشآت.
وهنا تبدو المعادلة الجديدة واضحة: دمشق تستعيد السيطرة على المنشآت المدنية، وموسكو تحافظ على حضورها العسكري بصورة أكثر مرونة وأقل اصطداماً بالواقع السياسي السوري الجديد.
اتفاق ما بعد الأسد
ويمثل الاتفاق اختباراً مهماً لطبيعة العلاقة بين موسكو والسلطة السورية الجديدة.
فروسيا كانت الحليف الدولي الأبرز لبشار الأسد، وقد منحته وعائلته اللجوء بعد مغادرته السلطة، لكن سقوط النظام لم يدفع موسكو إلى الانسحاب من سوريا، بل إلى إعادة التفاوض على شروط وجودها مع السلطة الجديدة.
وبذلك، تحاول روسيا الانتقال من علاقة كانت قائمة على التحالف المباشر مع نظام الأسد إلى علاقة دولة مع دولة، مع الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من مصالحها الاستراتيجية.
عودة «البيت الروسي».. إشارة سياسية إضافية
وفي مؤشر آخر على رغبة موسكو في تثبيت حضورها داخل سوريا الجديدة، تحدثت وكالة «تاس» الروسية عن استعداد روسيا لإعادة افتتاح مركزها الثقافي في دمشق، المعروف باسم «البيت الروسي»، بعد محادثات أجراها وفد روسي مع مسؤولين سوريين.
وهذا التطور، بالتزامن مع الاتفاق العسكري، يشير إلى أن موسكو لا تسعى فقط إلى ضمان مصالحها الأمنية، وإنما تريد الحفاظ على حضور سياسي وثقافي واقتصادي أوسع داخل سوريا.
المعادلة الجديدة
المشهد السوري يتجه إذاً نحو صيغة مختلفة للوجود الروسي: لا انسحاب كامل، ولا بقاء بالشكل الذي كان سائداً في عهد الأسد.
دمشق تحصل على إدارة المنشآت المدنية وتعزيز حضور الدولة عليها، بينما تحتفظ موسكو بوجود عسكري في إطار مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، مع بقاء القاعدتين في حميميم وطرطوس ضمن حساباتها الاستراتيجية.
لكن نجاح هذه الصيغة سيعتمد في النهاية على مدى قدرة الطرفين على تحديد طبيعة القوات الروسية ومهامها وحجمها، وعلى ما إذا كانت «مراكز التدريب» ستبقى فعلاً ضمن هذا الإطار أم تتحول عملياً إلى نسخة جديدة من القواعد العسكرية التي عرفتها سوريا خلال السنوات الماضية.
فالذي يتغير في سوريا ليس بالضرورة حجم النفوذ الروسي، بقدر ما تتغير الطريقة التي سيُدار ويُقدَّم بها هذا النفوذ في مرحلة ما بعد الأسد.







