حرية
موازنة العراق في أصعب اختبار.. مظهر محمد صالح يحذّر: 2026 الأصعب في تاريخ البلاد
من النفط إلى الاقتراض والإنفاق.. أرقام ثقيلة تضع المالية العراقية أمام امتحان حاسم
وصف مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، الدكتور مظهر محمد صالح، موازنة العراق للعام الحالي بأنها «الأصعب في تاريخ العراق»، في تصريح يعكس حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة وسط تحديات تتعلق بالإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي والالتزامات المالية.
وقال صالح في تصريح لـ«المحايد» إن الموازنة الحالية تواجه ظروفاً استثنائية، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بصورة رئيسية على النفط، ما يجعل أي اضطراب في أسعاره أو صادراته ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في تمويل نفقاتها والتزاماتها.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع استمرار العراق في تسجيل مستويات مرتفعة من الإنتاج والصادرات النفطية، في وقت تشير فيه البيانات المالية إلى امتلاك البنك المركزي احتياطياً من العملة الأجنبية يقدر بنحو 78 مليار دولار.
ورغم عدم وجود اقتراض خارجي حالياً، فإن حجم الاقتراض الداخلي يتراوح بين 12 و14 تريليون دينار، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه الموازنة والحاجة إلى توفير مصادر تمويل إضافية عند الضرورة.
لماذا تبدو الموازنة بهذه الصعوبة؟
تكمن المفارقة في أن العراق لا يواجه بالضرورة أزمة سيولة فورية، لكنه يواجه مشكلة هيكلية تتمثل في طبيعة الاقتصاد نفسه. فالدولة تمتلك احتياطيات نقدية مهمة وإيرادات نفطية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تعتمد بشكل مفرط على النفط لتمويل الموازنة، بينما تتسع الالتزامات الحكومية بصورة مستمرة.
وهنا تكمن خطورة المعادلة: ارتفاع الإيرادات النفطية يمكن أن يمنح المالية العامة شعوراً بالأمان، لكن انخفاض الأسعار أو تراجع الصادرات يمكن أن يكشف بسرعة حجم الاعتماد على المورد النفطي.
كما أن الاقتراض الداخلي، رغم كونه أداة متاحة أمام الحكومة، لا يمكن أن يتحول إلى حل دائم، لأن التوسع فيه قد يضغط على السيولة المحلية ويحد من قدرة القطاع المصرفي على تمويل النشاط الاقتصادي والاستثماري.
أما الاحتياطي النقدي البالغ 78 مليار دولار، فيمثل نقطة قوة مهمة للاقتصاد العراقي، لكنه ليس بديلاً عن الإصلاح. فالاحتياطيات يمكن أن تحمي الاستقرار المالي والنقدي في مواجهة الصدمات، لكنها لا تعالج جذور المشكلة المتعلقة بضعف الإيرادات غير النفطية وارتفاع الإنفاق العام.
النفط.. قوة العراق ومصدر هشاشته
المشكلة الأكثر وضوحاً تبقى في النفط؛ فالعراق يمتلك ثروة نفطية ضخمة، لكن استمرار الاعتماد عليها يجعل الموازنة عرضة لعوامل لا تتحكم بها بغداد بالكامل.
ولهذا فإن صعوبة موازنة 2026 لا تقاس فقط بحجم العجز أو الإيرادات، وإنما بقدرة الدولة على إدارة اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة في عالم سريع التغير.
ويضاف إلى ذلك ملف الطاقة، إذ ما يزال العراق يستورد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء، رغم امتلاكه كميات كبيرة من الغاز المصاحب للإنتاج النفطي، ما يعني أن جزءاً من المشكلة الاقتصادية يرتبط أيضاً بعدم استثمار الموارد المحلية بالشكل الكافي.
الاختبار الحقيقي للحكومة
تصريح مظهر محمد صالح يمكن قراءته باعتباره رسالة اقتصادية واضحة: العراق أمام مرحلة لا يكفي فيها الاعتماد على ارتفاع أسعار النفط أو الاحتياطي النقدي لتجاوز التحديات.
فالاختبار الحقيقي لموازنة هذا العام يتمثل في قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتقليل الهدر، واستثمار الموارد المحلية، خصوصاً في قطاعي النفط والغاز.
وبذلك، فإن «أصعب موازنة في تاريخ العراق» قد تكون أيضاً فرصة لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي اعتمدته الدولة لعقود.
فإذا نجحت الحكومة في استثمار هذه المرحلة لإجراء إصلاحات حقيقية، فقد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر تنوعاً. أما إذا بقيت المعالجة قائمة على النفط والاقتراض والإنفاق الجاري، فإن صعوبة موازنة واحدة قد تتحول إلى مشكلة تتكرر مع كل دورة مالية جديدة.







