حرية
تكشف المعلومات المتداولة بشأن تسليم المبعوث الأمريكي توم باراك لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي ملفات تتعلق بالشبكات الاقتصادية والمالية المرتبطة ببعض الفصائل المسلحة، عن تحول مهم في طبيعة المقاربة الأمريكية تجاه الملف العراقي.
فبعد سنوات من التركيز على الجوانب الأمنية والعسكرية، يبدو أن واشنطن باتت تنظر إلى الاقتصاد الموازي باعتباره التحدي الأكبر أمام مشروع بناء الدولة العراقية وإصلاح مؤسساتها المالية.
من السلاح إلى الاقتصاد
خلال العقدين الماضيين تركز الجدل حول نفوذ الفصائل المسلحة في العراق على القوة العسكرية والسلاح والنفوذ الأمني، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الملف الاقتصادي أصبح أكثر أهمية وتأثيراً.
فالقوة الحقيقية لأي تنظيم أو جهة لا ترتبط فقط بامتلاك السلاح، بل بقدرتها على تمويل نشاطاتها واستدامة مواردها المالية عبر شركات واستثمارات وعقود وشبكات مالية معقدة.
ولهذا فإن استهداف البنية الاقتصادية قد يكون أكثر تأثيراً من أي إجراءات أمنية مباشرة.
القائمة الرمادية والضغوط الدولية
يأتي هذا الملف في وقت حساس يواجه فيه العراق تحديات كبيرة بعد إدراجه ضمن “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، وهو ما يضع النظام المالي العراقي تحت رقابة دولية مشددة.
وتدرك بغداد أن الخروج من هذه القائمة يتطلب إجراءات عملية تتجاوز إصدار التعليمات والقرارات، لتشمل تطوير أنظمة الرقابة المصرفية وتعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفرض الامتثال على جميع الجهات دون استثناء.
البنك المركزي أمام اختبار صعب
التغيير الأخير في إدارة البنك المركزي العراقي يمنح هذا الملف بعداً إضافياً، إذ تتجه الأنظار إلى قدرة الإدارة الجديدة على تنفيذ إصلاحات مالية أكثر صرامة.
ويُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تشديداً أكبر على التحويلات الخارجية، ومراجعة نشاط بعض الشركات والمصارف، وربط قواعد البيانات المالية والضريبية والمصرفية لتعزيز الشفافية ومنع استغلال الثغرات القانونية.
ما الذي تريده واشنطن؟
الرسالة الأمريكية تبدو واضحة: لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي أو جذب استثمارات أجنبية واسعة النطاق في ظل وجود اقتصاد موازٍ يعمل خارج الرقابة الرسمية.
كما أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليص أي قنوات مالية يمكن أن تُستخدم للالتفاف على العقوبات الدولية أو تمويل أنشطة تعتبرها واشنطن تهديداً للاستقرار الإقليمي.
التحدي أمام الحكومة
التحدي الأكبر لا يكمن في الحصول على المعلومات، بل في كيفية التعامل معها.
فأي تحرك ضد شبكات اقتصادية نافذة يحتاج إلى توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح المالي والحفاظ على الاستقرار السياسي، خصوصاً إذا كانت هذه الشبكات تمتلك نفوذاً داخل مؤسسات الدولة أو ترتبط بجهات سياسية وعسكرية مؤثرة.
كما أن نجاح الحكومة سيعتمد على قدرتها في بناء منظومة رقابية متكاملة تجمع بين القضاء والأجهزة الرقابية والبنك المركزي والمؤسسات الأمنية.
ما بعد الحرب الإقليمية
التطورات الإقليمية الأخيرة أعادت ترتيب أولويات القوى الدولية في العراق. فبعد أن كانت الأولوية منع الانفلات الأمني، أصبح التركيز يتجه نحو إعادة هيكلة البيئة الاقتصادية والمالية ومنع استخدام الشركات والعقود والتحويلات المصرفية كقنوات نفوذ أو تمويل خارج إطار الدولة.
إذا صحت المعلومات المتداولة، فإن العراق قد يكون مقبلاً على مرحلة جديدة من المواجهة عنوانها “تجفيف مصادر التمويل” وليس المواجهة الأمنية المباشرة. وستكون قدرة الحكومة على إصلاح النظام المالي، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الاقتصاد الموازي، أحد أهم الاختبارات التي ستحدد مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، ومستوى ثقة المؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد العراقي.







