حرية
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تصعيداً، بعدما كثفت واشنطن، أمس الجمعة، عملياتها العسكرية داخل الأراضي الإيرانية، بالتزامن مع تحذيرات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طهران وجماعة الحوثي في اليمن، مؤكداً أن بلاده مستعدة لتوسيع الرد العسكري، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية إذا توافرت الظروف المناسبة.
وجاءت الضربات الأميركية بعد نحو أسبوعين من انهيار الهدنة المؤقتة التي كانت تمثل نافذة لاحتواء الأزمة، في حين ردت إيران باستهداف قواعد عسكرية أميركية في عدد من الدول العربية، وأصدرت تحذيرات من احتمال تعرض منشآت غير عسكرية تستخدمها القوات الأميركية لهجمات، ما يعكس اتساع رقعة المواجهة الإقليمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، انعكس التصعيد العسكري سريعاً على أسواق الطاقة، إذ تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل خلال التداولات، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى نحو 95.61 دولاراً لخام برنت و88.40 دولاراً لخام غرب تكساس، وسط استمرار المخاوف من اضطراب الملاحة في الخليج وتأثر إمدادات النفط العالمية.
وفي موازاة التصعيد العسكري، وجّه الرئيس الأميركي رسالة سياسية إلى كل من الصين وروسيا، دعا فيها إلى الامتناع عن تزويد إيران بالأسلحة، مؤكداً أنه يثق بالتصريحات الصادرة عن الرئيسين شي جينبينغ وفلاديمير بوتين بعدم الانخراط في مثل هذه الخطوة حتى الآن.
وقال ترامب، عبر منصة “تروث سوشال”، إن بكين وموسكو ليستا منخرطتين في دعم إيران عسكرياً، محذراً من أن أي تغيير في هذا الموقف ستكون له تداعيات سلبية على مصالح البلدين، في إشارة إلى سعي واشنطن لمنع اتساع دائرة الدعم الدولي لطهران.
تكشف التطورات الأخيرة عن انتقال المواجهة الأميركية الإيرانية إلى مرحلة الضغط متعدد المسارات، حيث لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على استهداف مواقع داخل إيران، بل أصبحت تترافق مع تحركات دبلوماسية واقتصادية تهدف إلى عزل طهران وتقليص خياراتها الإقليمية والدولية.
وتحمل رسائل ترامب إلى الصين وروسيا بعداً استراتيجياً يتجاوز الأزمة الحالية، إذ تسعى واشنطن إلى منع أي اصطفاف دولي قد يخفف الضغوط المفروضة على إيران أو يمدها بقدرات عسكرية تعزز موقفها في المواجهة.
في المقابل، يعكس الرد الإيراني باستهداف قواعد أميركية خارج أراضيه تمسك طهران باستراتيجية توسيع نطاق الردع، من خلال نقل المواجهة إلى الساحات الإقليمية، بدلاً من حصرها داخل حدودها، وهو ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع إذا استمرت الضربات المتبادلة.
النفط… المؤشر الأكثر حساسية
أثبتت الأسواق مجدداً أن أي تصعيد في الخليج ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، إذ يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، ويؤدي أي تهديد لحركة الملاحة فيه إلى رفع علاوة المخاطر في أسعار النفط.
ورغم تراجع الأسعار بعد موجة الارتفاع الأولى، فإن استمرار العمليات العسكرية أو تعرض البنية التحتية للطاقة أو خطوط الملاحة لأي اضطراب جديد قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، بما ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من دول العالم.
هل ما زالت الدبلوماسية خياراً؟
ورغم حدة الخطاب العسكري، فإن تأكيد ترامب على بقاء المسار الدبلوماسي متاحاً يشير إلى أن واشنطن تحاول الجمع بين سياسة الضغط العسكري وإبقاء نافذة التفاوض مفتوحة، بما يمنحها هامشاً للمناورة السياسية إذا ما توفرت ظروف مناسبة للتسوية.
إلا أن نجاح أي جهود دبلوماسية سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على وقف التصعيد الميداني، إذ إن استمرار الضربات المتبادلة واتساع نطاقها قد يجعل العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر تعقيداً في المدى القريب.
المشهد المقبل
تشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة تتجه نحو مرحلة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتحركات الدبلوماسية، بينما تبقى أسواق الطاقة والممرات البحرية في الخليج الأكثر تأثراً بأي تطور ميداني.
وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة، فإن المنطقة تبدو مقبلة على مرحلة دقيقة، سيكون عنوانها الأساسي إدارة التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية شاملة، مع استمرار كل طرف في محاولة تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل أي استحقاق تفاوضي محتمل.







