رفيق خوري
هناك دائماً في العالم لعبة كبيرة تتغير طبيعتها ويتبدل اللاعبون فيها وبها. في القرن التاسع عشر كانت اللعبة بين بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية، وقاعدتها أفغانستان. في القرن العشرين، بعد إسقاط النازية والفاشية بحرب مشتركة، صارت اللعبة بين أميركا والاتحاد السوفياتي. وفي القرن الحادي والعشرين أصبحت بين أميركا والصين على مستوى الكون، ثم بين أميركا وإیران في غرب آسيا. واشنطن وبكين تلعبانها ضمن ثلاثية دقيقة: “تنافس وتعاون وصراع”.
أما بين واشنطن وطهران، فإنها عقوبات وصراعات وحروب وصفقات واتفاقات لا تصمد. وإذا كانت أميركا خلال الحرب وقبلها وعلى حافة معاودتها قوة عظمى خطرة، والبعض في واشنطن يراها “قوة عظمى مارقة”، فإن الجمهورية الإسلامية قوة خطرة بالنسبة إلى ما خططت له من البداية، وما أظهرته في مواجهة الحرب الأميركية – الإسرائيلية. لا بل إن ما تقوله اليوم، خلافاً للباطنية وأحاديث الجيرة والأخوة، وما فعلته وتقول إنها ستفعل أكثر منه هو إعلان صريح عن أنها أخطر قوة في العالم.
عام 1917 في روسيا وعام 1979 في إيران كانا معلمين بارزين: ثورة جذرية لتغيير العالم، لا مجرد البلد والمنطقة. الجمهورية الإسلامية بدأت متأخرة من حيث بدأ الاتحاد السوفياتي ثم الصين الشعبية قبل مراجعتهما له وحتى تراجعهما عنه: “الثورة الدائمة” وبناء الاشتراكية في بلدان عدة معاً، وإدارة الأحزاب الشيوعية في كل بلدان العالم. ستالين أبعد تروتسكي وثورته الدائمة قبل اغتياله في المكسيك، وتحدث عن ظروف بناء الاشتراكية في بلد واحد هو الاتحاد السوفياتي، وخلفاء ستالين تخلوا من “الأممية الثالثة”. وخلفاء ماوتسي تونغ تخلوا عن دعم انشقاقات في الأحزاب الشيوعية وتأليف أحزاب ماوية، وركزوا على البناء الداخلي من دون تورط في دعم ثورات خارجية. لا بل إن أميركا التي كانت دائماً “قوة ستاتيكو” صارت “قوة تغيير” في حين صار الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة قبل السقوط “قوة ستاتيكو”. كذلك الأمر في الصين.
أما إيران، فإنها استمرت في الثورة ورفضت الخيار بين أن تصبح دولة أو تبقى ثورة مصرة على الدورين معاً. “تصدير الثورة” جعله الإمام الخميني نصاً في الدستور وأوكله إلى الحرس الثوري بصفته نوعاً من “التكليف الشرعي”. تأسيس فصائل أيديولوجية مذهبية مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن ودعم “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في غزة والضفة الغربية اعتبره القادة الإيرانيون “أهم إنجاز” للإمام الخميني والمرشد الأعلى علي خامنئي. وحين بدأت أميركا وإسرائيل الحرب على إيران جاء الرد الإيراني سلسلة اعتداءات بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج والأردن استهدف المواقع والمراكز المدنية بحجة الرد على القواعد العسكرية الأميركية.
والمسألة الأخطر التي لا سابقة لها في العصر بعد هولاكو وتيمورلنك والإمبراطوريات الأوروبية والسلطنة العثمانية في الرد على التهديد الأميركي بضرب الجسور والطاقة والبنية التحتية الإيرانية بضرب الذين لا علاقة لهم بالحرب: التهديد بضرب المنشآت والبنية التحتية في الخليج ومجمل العالم العربي وتدمير كل شيء كأنه “لم يكن موجوداً” بحسب الحرس الثوري. وما يضيف إلى الخطورة هو رمي مسؤولية الحرب على دول الخليج ومطالبتها بنسيان ما تعرضت له والعمل لاستعادة الثقة الإيرانية بها. وهذا، أقله، ما أعلنه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بالقول “إن الحرب خلقت في ذاكرتنا ذكريات مريرة تجاه دول الجوار لأن تعرضنا للهجوم في رمضان من أراضي دول مسلمة أمر لا يمكننا نسيانه بسهولة، وعلى هذه الدول اغتنام الفرصة لتعويض الأزمة التي تسببت بها”.
وقمة الغطرسة هي مطالبة الدول الخليجية المتضررة من القصف الإيراني بأن تنسى كل ذلك، وتسعى لإرضاء طهران. فهل هناك ما هو أخطر على المنطقة من القوة الإيرانية التي تعجز عن ضرب أميركا فتضرب جيرانها.
الواقع أن الثورة الإيرانية المصرة على أنها دائمة بعد 47 سنة تعيش على الحروب والصراعات والفوضى وزعزعة الاستقرار. فاقتحام السفارة الأميركية عام 1979 الذي تخوف منه رفسنجاني وخامنئي رآه الخميني نقطة تحول للانتصار على الشركاء اليساريين والعلمانيين في الثورة بعد الانتصار على الشاه وتأكيد هيمنة التيار الإسلامي. وحرب العراق وإيران التي دامت ثماني سنوات واعتبر الخميني قبول وقف النار فيها مثل شرب “كأس السم” أسهمت في ضبط مؤسسات الدولة وتوسيع الحرس الثوري ودوره. والصراعات الدائرة حالياً بين أجنحة النظام خلال الحرب وبعد وقف النار و”مذكرة التفاهم” توحي أن اليد العليا صارت للحرس الثوري على الملالي، وأن المعتدلين والإصلاحيين هم الضحية المقبلة.
و”لا أصدقاء لإيران بعد تصدير الثورة والدفاع المتقدم” بحسب لينا خطيب من “تشاتام هاوس” في لندن. فإيران تصورت أن “هذه الاستراتيجية رابحة وأنها تستطيع أن تهزم ما تفعله أميركا وإسرائيل والدول العربية والمجتمع الدولي، لكنها قادت إلى العكس”.
ويروي ولي نصر عن مسؤول إيراني قوله “إن ما خسرناه في سوريا يتخطى ما لدينا في العراق ولبنان واليمن”. وما تلعب به إيران اليوم هو ثلاث قنابل: قنبلة أنفقت من أجلها الكثير وتحملت عقوبات وحروباً لحماية البرنامج النووي، وتقول إنها لا تملكها. “قنبلة” أقوى من النووية هي مضيق هرمز، وقنبلة مخيفة هي تهديد المنطقة.
القنبلة النووية تخيف أميركا وإسرائيل وتقلق الصين وروسيا ولا مجال لاستخدامها لأن ضرب إسرائيل بها يؤذي كل الدول المجاورة. وقنبلة المضيق يستحيل التسليم لإيران بها لأنها تعني الإمساك بخناق العالم. وقنبلة التهديد تعني نهاية إيران والمنطقة. وسلوك إيران على أساس أنها أخطر قوة في العالم ليس بوليصة ضمان لنجاة النظام على المدى المتوسط.






